العَلَّامَةُ الْقَاضِيُّ أَحْمَدُ سُكَيْرِجٌ

العَلَّامَةُ الْقَاضِيُّ أَحْمَدُ سُكَيْرِجٌ

تَرْجَمَةُ العلامة العارف بالله سيدي أحمد بن الحاج العياشي سكيرج


التعريف بوالده الحاج العياشي سكيرج

هو الفقيه الفاضل الحاج العياشي بن سيدي عبد الرحمن سكيرج، ولد بمدينة فاس سنة 1259هـ – 1841م، وبها حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة برواية ورش عن نافع، ثم تعاطى لحفظ المتون العلمية مع دراستها على أعلام كبار، من ذوي المقامات العلية، كالعلامة سيدي محمد بن الهاشمي الكتامي، ونظيره العلامة البركة سيدي محمد بن المدني كنون، والفقيه سيدي التهامي كنون، والعلامة الشريف مولاي إبراهيم اليزيدي العلوي.

وبناء عليه كان الفقيه الحاج العياشي سكيرج رحمه الله ملما بعدة علوم. عارفا بها يتقنها غاية الإتقان. ولهذا قال في حقه ابنه العلامة سكيرج رحمه الله.

وكان رحمه الله قويا صلبا، لا يحب أن يكون عالة على أحد من الناس، ولذلك تعاطى حرفة الطرازة من صغر سنه، ثم زاول التجارة بعد ذلك مدة قبل أن يتعاطى لحرفة الوكالة بالمحكمة الشرعية بفاس، وهو رحمه الله من ضمن الجنود المغاربة الذين شاركوا في الدفاع عن حوزة الوطن، وذلك خلال حرب تطوان ضد الوجود والاحتلال الإسباني بها، ولقد جرح في إحدى المعارك هناك، وبقي ذلك الجرح يعاهده بالألم والإنتفاخ سنة بعد سنة. وعند احتضاره. انفجر ذلك الجرح وسال، فكان بذلك شهيدا خالصا يموت فوق فراشه بتاريخ : يوم الأحد 4 جمادى الثانية سنة 1328هــ – 1910م. وكانت تحت حوزته رحمه الله ثلاث نسوة، آخرتهن السيدة فروح أم الفقيه العلامة العارف بالله الحاج أحمد سكيرج. وترك الحاج العياشي سكيرج خلفه خمسة ذكور، أكبرهم سيدي محمد سكيرج، ثم العارف بالله الفقيه الحاج أحمد سكيرج، ثم سيدي عبد الوهاب، ثم سيدي عبد الخالق، ثم سيدي عبد الرحمان وهو الأصغر، أما الإناث فهن أربعة، أكبرهن السيدة راضية، ثم السيدة خدوج، ثم السيدة زينب، ثم السيدة عائشة.

التعريف بوالدته السيدة فروح بنت الحاج عبد الوهاب التازي

أما والدته فهي السيدة الفاضلة، والعابدة الناسكة الذاكرة، ذات الكرامات الواضحة، والمساعي الناجحة، السيدة فروح بنت البركة المقدس الحاج عبد الوهاب بن محمد التازي رحمه الله ورضي عنه.

تزوجها الحاج العياشي سكيرج بتاريخ 28 رجب عام 1294هـ – 1876م بعد انقضاء عدتها من وفاة زوجها الأول، وهو شقيقه الحاج محمد بن الحاج عبد الرحمان سكيرج، فكانت أول ولادة لها منه، هي ولادة العلامة العارف بالله الحاج أحمد سكيرج رحمه الله ورضي عنه.

وللفقيه الحاج أحمد سكيرج عدة قصائد وأشعار في والدته المذكورة. منها قوله في رثائها :

وتوفيت رحمها الله تعالى بدارها بمدينة فاس في صباح يوم الاثنين 24 رمضان المعظم عام 1345هـ – 1927م.

ولادة العلامة سكيرج مع نسبه

ولد العلامة الحاج أحمد سكيرج في شهر ربيع الثاني عام 1295ه_1877م في مقابلة وجه الداخل بدرب سيدي يدير بحومة رأس التيالين من مدينة فاس بدار الشرفاء الطاهرين.وينحدر نسبه إلى شعبة الخزرج إحدى شعبتي الأنصار

وقد رفع نسبه رحمه الله للصحابي الجليل سيدنا حسان بن ثابت في الكثير من المناسبات، منها في مسامرته كرامة الأولياء أمام عجائب المخترعات.

وكتب رحمه الله في التعريف بالشعبة السكيرجية ما نصه : الحمد لله، الذي تحصل لدي في الشعبة السكيرجية أنها على ثلاث فرق : سكان درب الفخارين في مجاورة الحرم الإدريسي بحاضرة فاس يزعمون أنهم علميون، وسكان طنجة وهم ممنون عليهم بالإسلام، ولهم أحباس بها كما بحوالتها القديمة، وقد انقرض نسلهم، أما أولاد صهيريج هناك فليس منهم، وسكان تطوان وهم خزراجيون، ومنهم أولاد سكيرج القاطنون بحومة القطانين بفاس من قديم، ولهم مصاهرة مسترسلة مع الشرفاء العراقيين من قديم، حتى أن العلامة الحافظ سيدي إدريس العراقي أمه سكيرجية، والفقيه المهندس السيد الزبير بن عبد الوهاب سكيرج أمه عراقية، وهو من هذه الفرقة، ومنهم العلامة سيدي محمد بن الطيب سكيرج كاتب السلطان المولى محمد بن عبد الله الإسماعيلي، وأصل هذه الفرقة من الأنصار الخزرجيين القادمين مع العرب الفاتحين للمغرب، وقد استوطنوا جزيرة الأندلس بغرناطة، ولعل الجبل المطل عليها المسمى بسكيري هو الذي أقاموا به فنسبوا إليه بالجيم بدلا عن الياء كما هي لغة شادة من كلام العرب، فيقال في سكيري سكيرج، ومن أعجب ما حدثني به سيدنا الوالد رحمه الله أن نقيب الأشراف العلميين بفاس شيخنا العلامة سيدي عبد الله بن أبي العلاء إدريس البكراوي رضي الله عنه استفهمه قائلا : لماذا لم تدع الشرف وكل من فيه رائحة المرابطية قد ادعاه، فقال له سيدنا الوالد : إن الشرف لم يدعيه أحد من أسلافنا، ولا أحب أن أكون حتى من العرب بدعوى الكذب، لقول الله تعالى : ” الأعراب أشد كفرا ونفاقا” الآية، فاستعظم من والدي هذا الجواب وازداد اعتبارا لديه، ولهذه الفرقة من السكيرجيين أحباس كثيرة داخل فاس وخارجها، من ذلك البلدة المسماة ببلد مسيكة الممتدة من جبل تغات في مقابلة وادي الجواهر إلى طريق سايس، وهي مذكورة في حوالة أحباس فاس الجديد، إلخ …

تاريخ زواج العلامة سكيرج

وفي سنة 1320هـ – 1902م تزوج رحمه الله بالسيدة الفاضلة فاطمة بنت السيد المكي بن شقرون، وكان دخوله بها يوم الاثنين 16 شعبان الأبرك من السنة المذكورة، قال العلامة سكيرج: وقد وافق هذا التاريخ جمل قولك :عرس سعيد وافاك بنور

وولد له منها سيدي عبد الكريم على الساعة الحادية عشر ونصف من ليلة الثلاثاء 15 ربيع النبوي عام 1322هـ – 1904م.

وعن سبب تسميته بهذا الإسم قال العلامة سكيرج في كناشه : تطييب النفوس بما كتبته من بعض الدروس والطروس ص 270 : سماه والدنا الحاج العياشي بعبد الكريم لأن الله تعالى تكرم علي وعلى أمه بالعافية، فإني كنت مريضا مرضا سلموا عليه فيه، فقد غبت عن عقلي ثمانية أيام، والمرض يزيد على شهرين، وأما أمه فإن الطلق أصابها أربعة أيام حتى سلموا عليها أيضا، وليت أبي سماه بمحمد.

وتوجه رحمه إلى مدينة طنجة عام 1327هـ-1909م، فاشتغل بها مستخدما بدار النيابة، وكان أول يوم بدأ فيه العمل هو يوم الأربعاء فاتح ذي الحجة الحرام من السنة المذكورة، وذكر رحمه الله أنه وجد بمدينة طنجة أجواء مخالفة للأجواء التي كان يعيشها بفاس، وذلك لاختلاف بعض العادات والتقاليد من جهة، ولغلبة الطابع الأوربي الغربي على بعض أهلها من جهة ثانية. ولما استأنف العمل بدار النيابة قال رحمه الله مباشرة خلال اليوم الأول منه

والسبب في استيطانه بمدينة طنجة في هذه الفترة هو كثرة الفتن التي كانت تعيشها مدينة فاس ونواحيها وقتذاك، وبعد أشهر قليلة من حلوله بمدينة طنجة تخلى العلامة سكيرج عن العمل بدار النيابة، وانتقل للعمل بجانب أخيه سيدي حماد بإدارة المراقبة بنفس المدينة. فاشتغل بها كاتبا ثانيا، وبقي في منصبه هذا مدة قصيرة ثم تخلى عنه، وفي عام 1328هـ – 1910م تزوج رحمه الله بابنة عمه سيدي الزبير سكيرج، بمدينة تطوان، ثم طلقها في شهر ربيع الثاني عام 1330هـ- 1912م، وكان ذلك تلبية لطلب والدها المهندس سيدي الزبير سكيرج، وقد رزقه الله منها ولدا سماه سيدي محمد وكانت ولادته بتاريخ 7 جمادى الثانية 1329هـ – 1911م.

وفي عام 1325هـ – 1907م استدعاه لمكناسة الزيتون العلامة سيدي عبد الرحمان بن زيدان نقيب الشرفاء العلويين بالمدينة المذكورة، فأقام عنده أياما اجتمع فيها بالكثير من الأدباء والأفاضل، فألف في ذلك رحلته المسماة : الرحلة الزيدانية. وفي سنة 1329هـ – 1911م سافر العلامة سكيرج صوب وهران تلبية لاستدعاء صديقه الفقيه العلامة سيدي الحبيب بن عبد المالك، وكان سفره إليها على متن الباخرة من مدينة طنجة بتاريخ 15 جمادى الثانية من السنة المذكورة، وبهذه المدينة اجتمع رحمه الله بالعديد من رجال العلم والمعرفة والدين، ولكي لا تضيع أحداث هذه الرحلة العجيبة عمل رحمه الله على جمعها في كتاب سماه : الرحلة الحبيبية الوهرانية.

وصادفت عودته من بلاد الجزائر قدوم الشريف سيدي محمود حفيد الشيخ أبي العباس التجاني رضي الله عنه، حيث وفد على المغرب لأول مرة قادما إليه من مقر أهله وأسلافه بقرية عين ماضي بالصحراء الشرقية، فطلب من العلامة سكيرج أن يرافقه في رحلة منتظمة لبعض مدن المملكة المغربية، فوافق العلامة سكيرج على طلب الشريف المذكور بشروط وضحها له داخل ضريح جده بالزاوية الكبرى بفاس، واستغرقت هذه الرحلة بالنسبة للعلامة سكيرج أربعة أشهر كاملة، إلا أنه لم يستطع إتمامها فيما وراء رباط الفتح، وذلك نظرا لبعض العوائق الوقتية القاهرة، ومنها رجع رحمه الله إلى فاس حيث دون هذه الرحلة في كتاب قيم سماه : غاية المقصود بالرحلة مع سيدي محمود.

ثم انتقل رحمه الله لمدينة طنجة حيث اشتغل كاتبا لدى باشا المدينة الحاج محمد الزكاي، وفي عام 1332هـ – 1924م عين ناظرا لأحباس فاس الجديد، وبقي في هذا المنصب مدة أربع سنوات، وفي عام 1334هـ – 1916م توجه العلامة سكيرج للحج بعدما اختارته الحكومة الشريفة للنيابة عنها في تهنئة الملك حسين باستقلال الحجاز فألف في هذه الرحلة كتابه : الرحلة الحجازية، ذكر فيه جميع الأحداث والمستجدات التي عاشها على رأس تلك البعثة الشريفة.

ثم تولى رحمه الله مناصب قضائية مختلفة، منها ثلاث سنوات كقاض لمدينة وجدة ابتداء من سنة 1337ه -1919م، لكنه لم يجد بهذه المدينة وقتذاك معينا ومساعدا على الحق والفضيلة التي يتوخاها، فطلب الإستعفاء منها من الحضرة السلطانية الشريفة، وأرسل في صدد ذلك قصيدة لوزير العدلية الشيخ أبي شعيب الدكالي، قال في مطلعها

فأعفي من القضاء بوجدة، وفي شهر ذي الحجة الحرام من سنة 1340هـ-1922م عين بمدينة الرباط عضوا ثانيا بالمحكمة العليا بالأعتاب الشريفة، فأقام بالعاصمة سنة ونصف، إلى حدود أوائل شهر شعبان عام 1342هـ-1924م حيث جاء تعينه على رأس القضاء بمدينة الجديدة ونواحيها، وبقي رحمه الله في هذا المنصب 5 سنوات كاملة، وفي شهر ذي القعدة الحرام سنة 1347هـ-1928م تولى القضاء بمدينة سطات إلى غاية وفاته بمراكش عام 1363هـ-1944م.

وفاته رحمه الله

كان العلامة سكيرج رحمه الله مصابا بداء السكري، وكان يعاني منه كثيرا في بعض الأحيان، وغالبا ما كان يتابع مراحل علاجه بإحدى المصحات المختصة بالدار البيضاء. ولم يكن يخطر ببال أحد أن العلامة سكيرج سيتوفى ويدفن بمراكش، لكن المشيئة الإلاهية فوق كل تقدير وحساب، قال الشاعر

وقبل وفاته رحمه الله بثلاثة أيام، عاوده المرض واشتد عليه، فحمل فورا لمراكش من أجل العلاج في إحدى المصحات هناك، فأجريت له بها عملية جراحية توفي بعدها بقليل، وذلك يوم السبت 23 شعبان عام 1363هـ الموافق 12 غشت سنة 1944م. وكان يوم جنازته يوما رهيبا، اهتزت فيه المدينة المذكورة، وحضر تشييع جنازته جم غفير من العلماء والفقهاء والأفاضل من كل ناحية وصوب، ودفن رحمه الله بضريح الولي الصالح العلامة القاضي أبي الفيض عياض بن موسى اليحصبي.