الأنباء بنصح الأبناء
9
يا بنـي: إن المصارفة مع المسلمين أسلم لك من جهة الدين واحذر كل الحذر من مصارفة الذميين، وإن المصارفة مع النصارى رأسا بدون واسطة لقريبة من السلامة الدنيوية في المعاملة ونحوها، فهم كما هم: وأنت على بال منهم، بخلاف المتنصرين الذين لهم بهم خلطة، وهم في زي المسلمين واعتبر ما قلته لك في المستخدمين معهم غالبا، فإنهم من أخشن الناس طبعا، وأقبح ملاقاة مع أحسن خلق الله ما لم يقدم لهم نفعا، ولا تجد النادر إن عثرت عليه هينا لينا إلا إذا امتحن بالزجر على سوء المعاملة مع العباد، أو أنذر بالطرد عنهم بوصية منهم، إن لم يحسن السيرة. فإذا توقف لك عند مخدوميهم غرض، أو جمعتك الضرورة بأحد منهم فاحذره كل الحذر، وعامله بمقتضى هواه، واصبر لخشونة طبعه حتى تخرج منه سالما، وإن وجدت سبيلا للمسامحة في ذلك الغرض واجتناب ما يجمعك بأحد منهم فهو أليق بدينك وعرضك. وأرجو أن لا يحوجك الدهر إلى الوقوف على من هذه حالته، فيكفيك الله مئونة المداراة والمداهنة، ولكن الليالي حبلى تلد العجائب، والدهر ما هو لأحد بصاحب، وفساد الزمان وأهله يقضي على ابن الوقت أن تكون له يد بيضاء عند الحكام، يقي بها طوارئ الحوادث بين العوام، فالعامة لا يحترمون إلا من له صولة وكلمة، أو مال، ودليل ذلك المشاهدة. وقد كان شيخنا الولي الصالح مولاي عبد الله بن إدريس البدراوي يقول لنا عندما يذكر وصية الإمام مالك ليحيى التي قال فيها (ليكن لك سند تستند عليه) إلخ.. لا يغرنكم تعظيم العامة لي، فإنهم لو لم يكن لي اعتبار عند الأمراء ما احتفلوا بي، ولكنهم يرون الأمراء، وخصوصا الوزير فلانا يأتون لداري لزيارتي، فيستعظمون ذلك، وليس تعظيمهم لي من أجل علمي وصلاحي، وإنما ذلك من أجل ذلك. فاعتبر قدر هذا المقال، واجعله على أحسن المحامل ولا تفهم منه ما يحملك على التعلق بأَذيال الأمراء والحكام والتملق لهم، والتوسل بأحسن الوسائل للتوصل إلى إقبالهم عليك، وهم ليسوا بمقيمين على حال، وما أراك إذا فعلت هذا إلا مهضوم الجناب، ما دمت عن غير إقبالهم عليك مترددا بالأبواب، وأخس بها من حال. وإذا أسعدك الحظ بأن لم تعرفهم ولم يعرفوك، ولم يتوقف لك غرض منهم فأنت سعيد رشيد، وإلا فكن على حذر من كثرة التردد عليهم، والتداخل معهم في فضول، أو في وشاية بأحد، فتعد من الجواسيس ويتطرق في عرضك المقول. وقد كنت حفظت قول القائل
| ولا تخش ممن بغى أوحسـد |
|
لباب الأمير فكن لازما |
| تصرغ يوما ببـاب الأســد |
|
فإن الذئاب تهاب الذي |
وما عملت بضمنه حتى دعيت للخدمة، ومع ذلك فإني أرجو أن تكون أحسن مني حالة، لينفعني الله بك في اجتناب الظلمة وأعوانهم، حتى لا تكتب في ديوانهم
يا بنـي: إن الناس ينظرون أولا لهيئة الرجل، فأول ما يعظم قدره لديهم لباسه، فكن دائما معتنيا بالزي الحسن، مع النظافة التامة، واجتنب الدنس ما أمكنك، وأظهر نعمة الله عليك من غير تبجح ولا افتخار. وإياك وأنفة التكبر التي يشمخ بها أنف المتجملين بالثياب، ولا يعظم بين عينك لباس الشخص أكثر من جثته، وما انطوت عليه من المعارف وضدها، فقد قال الإمام الشافعي
| بفلس لكان الفلس فيهن أكثرا |
|
علي ثياب لو يباع جميعـــها |
| نفوس الورى كانت أعز وأكبرا |
|
وفيهن نفس لو يقاس ببعضها |
فإن قدرت أن لا تلبس من اللباس إلا الرفيع فافعل، إلا فلا تخرج عن النظافة ما أمكنك، وخير الأمور التوسط، والزيادة في الشيء نقصان. وكن متحليا بحلية الجمال، ولا تنس الجميل المعمول معك، ولا تستحضر جميلك مع أحد على وجه التبجح ولا تذكره، فإن المنة لغير الحق مذمومة لديه وعند الخلق. وإياك أن يعظم بين عينيك بياض حليتك من الرأس للقدم فتتقدم بها على غيرك في نفسك، ولكن ليكن لديك اعتناء بحلية الباطن، فقَدِّم أهل الفضل في مقام التقديم حتى تقدم بيد العز، وتواضع مع كل أحد على قدر ما يجعله ذلك منك على عدم إهانتك. فرب تواضع في غير محله موجب للإهانة عند من لا تربية له، ولا مرؤة ولا دين. ولقد أجاد من قال
| يـرى ذاك للفضـل لا للبلـه |
|
تذلل لمن إن تواضعت له |
| على كل حال يرى الفضل له |
|
وجانب مودة من لم يزل |
واعتبر ذلك في المجالس، فلا تقم من موضعك لمن لا يعتبر أنك قمت إجلالا له، فيجعلك من أجل ذلك، فإن لم يعتبر ذلك فلا تقوم له، خصوصا في محافل الأجانب، فلا تجلس إلا حيث لا يقيمك أحد، ولا تقوم فيه لأحد، فإن الجلوس في محافلهم، والحضور فيها معهم، لا دخل له في التواضع، ولو كانت لك عفة فلا تقرب ساحتهم، وكن دائما مجتنبا تلك المحافل، إلا إذا خفت على نفسك من إذاية أحد وقلبك مطمئن بالإيمان. فكن مراعيا لما لا تعاب عليه، ولا يهضم به جانبك دينا ودنيا، ولا تتأمر على أحد بمحضر الناس، فربما هتك ستر إمارتك ومروتك، وتلطف دائما في أوامرك التي يسند إليك الصدع بها، ولا تكلف أحدا بقضاء غرض لك خصوصا الضروريات، فلا تكن عاجزا عن قيامك بنفسك بها، وإن كان ولابد من التكلف، فاسلك طريق اللينة مع الرفق التام ومراعاة المقام. ولا تلم أحدا على تركه للنهوض لما كلفته به، والتمس له المعذرة، إلا فأنت الملوم، لكونك رضيت لنفسك ما لم ترضه لغيرك، ورضيت لغيرك ما لم ترضه لنفسك، و إلا فمن أين لك تكليف الغير، وذاته إن نظرت إليها أحسن من ذاتك، وعقله أحسن من عقلك، وقدرك لا يذكر في جنب فضله شيئا عنده، فإن كل من فيه نقص في خاصة نفسه لا أحد يساويه، فاعتبر تفضيل الناس عليك، والمفضول لا يتأمر على الفاضل، فكن مكبا على اقتناء الفضائل، حتى تكون مخدوما بطيب نفس، والله يحفظ أحوالك
استمع لهذا المقطع صوتًا
نفائس سكيرجية تجانية: nafaiss skiredjiennes