الأنباء بنصح الأبناء
1
يا بنـي إني أخاطبك مخاطبة الوالد المشفق على أضعف بنيه حين يراه محتفا بما يسؤه، ولا قدرة له على انتشاله، من أوحاله، فيقول مرشدا له بما تحصل به نجاته من الشرور إن عمل بمقتضى ما يشير به عليه طبق ما يهمه من حالـه؛ يا بنـي أريد بك النجاة، وأرشدك إلى طريقها، ولا قدرة لي على دفع ما قدر لك في الأزل، ولا حيلة لي في جلب ما لم يقدر لك من خير كثر أو قل، ولكن إن لم أشر عليك بما فيه النفع لديك، أعدّ مقصرا في حق رعايتك، ولا ينبغي الإحتجاج بالقدر مع عدم قدرتي على نفع نفسي، فأحرى ما ينفع غيري، وليس لي من الأمر من شيء، ولكن الحق تعالى يوفق لما فيه خير العبد في الدارين بفضله، وله أن يقابله بعدله. يا بنـي: لم أر نافعا لك أكثر من صفاء مرآة باطنك مما يصديها من حقد على أحد من خلق الله، ومن حسد يزيد في ظلمة النفس، وضيق النفس، فسس نفسك برياضة سلامة الصدر، وخذ حذرك من اتخاذ أي شخص عدوا في الظاهر فإن عدواة العلانية تعجل بالعطب، وصاحبها دائما لا ينظر عند عدوه بعين الرضى، وإنما ينظر بمقلة الغضب
يا بنـي أوجب عليك الحق الإيمان والتصديق، فكن مؤمنا مصدقا، ولا تعترض على خواص خلقه، واعتقد في كل مؤمن أنه الخضر فتعد من الخواص . فإن كنت ذا اعتقاد سليم، فماذا يضرك؟ فلعمري أن كل معتقد لقريب من السلامة من المنتقد، والإنتقاد أقرب من الخطر الجلل في كل مقام سرا وجهرا. فحذار من سوء الظن في أهل الله، ولمقتضى البشرية التي أنت من طينتها، أخشى عليك أن تستولي عليك العصبية فتكون في حيز التنافس والدفاع عما يوافقك، سيان كنت فيه على خطأ أو على صواب، وما أخالك إلا متعصبا في كل ما تجادل فيه في بساط المعتقدات، وقلّ من سلم في المحاورات والمناظرات
يا بنـي: منحك الحق نور الإيمان بعد أن أودع فيك نور العقل، فخذ من النورين قبس الأدب، لتسلك به في مضايق المسالك، فتنجو غالبا من العطب، واعقل نفسك بحبل العقل المنور عن الخوض في الباطل في الباطن والظاهر، فإن النفس إذا أطلقت وهواها أسرعت بالتلف لصاحبها، ولا تلف أكبر من تلف الدين، وهو أسرع ما يكون عندما يمس بجانبه أدنى اهتضام. فحذار من التلف، وتلاف أمر نفسك قبل السقوط للحضيض من أعلى الشرف، ولا تعتمد على ما ينوهك به أهل الشرف، وما أظنك تنجو إن لم توطد نفسك على السيرة المحمودة باجتناب ما يذم
استمع لهذا المقطع صوتًا
نفائس سكيرجية تجانية: nafaiss skiredjiennes