الطور الأول
في دور النفس في حضرة القدس
وما كانت متحلية به وما صارت عليه الآن
كنت أيتها النفس في العلم الإلهي كما أنت عليه الآن، ولا يزال ينكشف لك ما هو عنك غائب في مظاهر تقلباتك، حتى تقفي على عين الحقيقة يوم يكشف لك عن ساق فترين الحقيقة منك كما هي في نفس الأمر عند الحق من غير تعد عليك في ذلك كله. في الأمس واليوم والغد، بل من يوم لا يوم إلا ما شاء الله من التأييد، فينجلي عنك الحجاب، وتقرين للحق بما أقررت به في عالم الذر المخاطب في يوم "ألست بربكم(1)" فقد أقررت بالتوحيد، وأعطيت الحق حقه، فامتثلت أمره في جميع حركاتك وسكناتك من ذلك الحين، ولا حين عند الحق، وإنما الحين بالنسبة إليك. فأنت ممتثلة له قطعا بشعور وبدون شعور، فإن نظرت إلى ما كنت عليه وما أنت عليه. وما أنت متقلبة فيه في هذه الحياة وبعدها، اتضح لك أنك جارية على النهج الذي تدعوه نفسك التي هي حقيقتك طبق ما أجبت به، فلقد أقررت عالمة بالحق حين كنت مجردة. فكيف خامرتك(2) الغفلة حين ازدوجت بهذا الهيكل الذي خرج لدار الإمتحان.
فإن قلت مالي حيلة في المقدور، والإحتجاج بالقدر عنك في حضرة التكليف من المحظور، فكيف السبيل في النجاة ؟ قلت الرجوع إلى الحق حق، فاعرفي مرتبتك من الخلق، وأنك في درجة تصعدين فيها وتنزلين بحسب ما تنسبه إليك في يقظتك وغفلتك، والنجاة كل النجاة في التعلق به تعلقا يناسبك في جميع شؤونك، بتعلقك بالحبل الذي أدلاه إليك من حضرة القدس، وهو الحجاب الأعظم بينك وبين اضمحلالك(3) من نفس الوجود، وذلك عين الرحمة عليه الصلاة والسلام، فاتبعي سبيله. فهو دليل الحق، بين الخلق، وما عليك إلا أن تعملي، ولا تتكلي، وإياك والإعتماد على العمل، فإنه من الزلل، وكل مسير لما خلق له.
__________
(1) سورة الأعراف، الآية 172
(2) خامرتك : بمعنى خالطتك وحجبتك
(3) اضمحلالك :تلاشيك وانحلالك