أما بعد، و لله الأمر من قبل و من بعد، فقد عثرنا على ما كتبه علماء القرويين جوابا عما ورد من وزير العدلية المغربية في استفهامهم عَن الحكم الشّرعي اللازم في نازلة التَّأليف الذي ذكر فيه صاحبه أن صلاة الفاتح من كلام الله القديم، و أنها أفضل الأذكار، فرأينا ذلك الجواب مشتملا على الغث و السَّمين، إن لم نقل كله ضلال مبين، لا ينبغي الإلتفات إليه، فضلا عن الإستناد عليه، لصدوره عن قلوب ملئت في أهل الله بغضا، و خَلا لهم الجو فانتصروا لبعضهم بعضا، وتمالئوا على تضليل المتمسكين بحبل الطريقة التجانية، و طعنوا في سائر التآليف المؤلفة فيها، ولم يرقبوا في مومن إلا و لا ذمَّة(1)، و سفهوهم و هم المسفهون في الحقيقة عند من نظر ذلك من أعلام الأمة. ولعمري أن من اطلع عليه من ذوي الألباب، يقضي بأنه من أوله إلى آخره غير صواب، و كأني بمن وافقوا عليه من المفتين المفتونين، قد نظروا لنفس زعيمهم الموقد لنيران هذه الفتنة، فتابعوه لنيل الحظوة لديه، و لو راقبوا الله ما تجرِّءوا على أهل الله بتحاملهم في فتواهم، وهم عنها سيسألون بين يدي مولاهم.
و لله در الحضرة الشريفة فإنها أحسّت بنفس المبغضين حين وصلته هذه الفتوى، فألقاها في حيز الإهمال، و لم يظهر لها أثر في الوجود بحال، و إنَّه ليتعين على المحقين نقضها عروة عروه، لكون السكوت عنها ليس من شيم ذوي الفتوّه، و نحن و إن كنا نتحقق بأن جل الموافقين عليها مدفوعون بأيدي التهديد، طبق ما يفهم من احتراسهم فيما خطوه ببنانهم، وأفصحوا عنه ببيانهم، فإننا نشكرهم في ملامتهم حيث لم يصرحوا على رؤوس الأشهاد بمخالفتهم، لأن المسألة علميّة، لا حظ لها من التنافس عند ذوي النفوس الأبية، في حط ذوي المراتب العليّة، و الحق لا يعدم أنصاره و لو بعد حين.
__________
(1) - سورة التوبة، آية 10.