أما ابنه سيدي العربي فهو مجمع الفضائل والأخلاق ، لا على الحصر بل على سبيل الإطلاق ، يميل للبشاشة والإبتسام ، وله في ذلك وسام وأي وسام ، قليل الكلام ، كثير السلام ، مسالم هين ، متفهم هين ، ما ضن علينا بشئ أو بخل ، بل خرج بكل خير ودخل ، وهو بار بوالده أتم البرور ، مع الطيبوبة والفرح والسرور ، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ،
وقد رأيت من بروره بوالده ما يثير العجب ، وإن كان ذلك مما فرض على المرء ووجب ، فجزاه الله خيرا ، ولا اراه ضيما ولا ضيرا ، وبعد انقضاء هذا المجلس وانفضاضه ، وسكون الحر الشديد وانخفاضه ، خرجنا في اتجاه ضريح العلامة أكنسوس ، وهو معلمة معالم أهل سوس ، فقرأنا الفاتحة جماعة على قبره الزاهر ، حيث افتتحها الشريف سيدنا محمد الطاهر ، ثم جادت قريحتي بهذه القصيدة ، التي كنت قد نظمتها صباحا بعد شراب العصيدة ، وهي :
سيدي يا ابن شعبة الأخيارا = سليلا لجعفر الطيار
قد حباك المختار منه بحب = يه ما فيه من سنا الأنوار
أنت من أشرف الخلائق دارا = أنت من آل بيته الأطهار
أنت من سادة عظام كرام = زينبي من طينة الأحرار
أنت ياايها الفقيه إمام وهمـ=ـــام لدى ذوي الأنظار
ولسان الطربقة الأقوم الحامـ=ــي حماها من ربقة الإنكار
كم لكم من مناقب قد تساوت = في علاها بطالع الأقمار
لك من خالص التحية شكر = طول وقت الزمان والأعمار
لك في مدحه العظيم أناشيد عـ=ـظام من خالص الأشعار
حجة الدين أنت دون اعتراض = وافتراض بسائر الأقطار
تتباهى الحمراء فخرا وعزا = بعلاك المعظم المقدار
بين شرق ومغرب وشمال = وجنوب وشاسع الأمصار
في معاني علاك حارت ودارت = واستنارت معالم الأفكار
شيخك العارف التجاني أضحت = داره العظمى فوق كل الديار
جعل الله فيضه الباهر الأسمـ=ــى علينا من جملة الأستار
أي فخر يحق للمرء إن لم = يفتخر صادعا بهذا الفخر
وتمادت أمداده الغر فينا = أبدا دوما كالغدير الجاري
وصلاة على النبي الذي منـ=ــه أضاءت خلائق الجبار
وسلام عليه ما فاح عطـ=ـر المسك بين الورود والأزهار
ثم بعد ذلك وقفنا على قبر ولده الأول سيدي عبد الله ، وقلت في حقه :
أبدا لست مغرما بالمال = لاولا بالزبرجد المتلالي
إنما معرم قديما بعبد الله نـ=ـجل المؤرخ المفضال
صاحب الجيش والجواب الذي أسـ=ـكت بالبينات أهل الضلال
ثم بعد ذلك وقفنا على قبر ولده الثاني سيدي العربي ، و قلت في حقه :
أيها الشهم يا سليل المعالي = سيدي صاحب المقام العالي
أنت ياذا الخلال نعم إمام = في جمال الأئمة الكمال
فزت بالخير والمنتتى ويداك الغـ=ـر عادت بغاية الآمال
ثم بعد ذلك وقفنا على قبر حفيده سيدي محمد المهدي بن عبد الله ، فقلت في حقه
سيدي يا محمد الـ=ــمهدي الفائز بالفتح والبها والجمال
نلت أسمى المقام لما تساوت = عندك الواردات بالأحوال
ثم توجهنا صوب حي المواسين بالمدينة القديمة ، قصد زيارة الزاوية الأحمدية التجانية الفخيمة ، فإذا بها زاوية عتيقة ومنورة ، على وفق ما كانت به في ذاكرتي مرسومة ومصورة ، فدخلتها باحترام وأدب ، بعدما سلب عقلي حبها وجذب ، فقلت في حقها :
إذا ما جئت للحمراء فاقصد = على الإخلاص مولانا الفقيها
بباب الرب روضته التي قد = ثوى الإكرام والإقدام فيها
محمد بن أحمد من قد اضحى = إماما عالما حرا نزيها
وعج شطر المواسين حيث علت = قباب قد سمت ركنا وجيها
بها دار تسامت في بهاء = وفضل الله دوما يعتليها
بها النوار والأسرار طافت = وأضحت بالمعارف تحتويها
عليها حلة الإبريز رغما = على كل الأعادي ترتديها
غدت بالفخر ترقص في سرور = وتاهت عن علا الأكوان تيها
سفينتها أمان للبرايا = فلا يخشى العنا من يمتطيها
ويحضى بالسلامة والأماني = ونيل المرتجى من يقتد يها
فكم من المريدين من فتح عليه بها وانتفع ، وكم ممن سما فيها قدره الجليل وارتفع ، وقد نبغ من رجالها الكثير وظهر ، وفاق وعلا صيته و اشتهر ، فكم عمرها من السادات الأماجد ، ما بين راكع وقائم وساجد ، فهو المحل الذي كان ولازال ضامنا ومن دخله كان آمنا ، فرحم الله بانيها ومشيدها ، إمام هذه الأسرة الكنسوسية وسيدها ، أبا عبد الله سيدي محمد أكنسوس ، وقتئذ :
لست من بهجة ولست بسوسي = بل سباني ابن أحمد الكنسوسي
حبه الصافي في مكا من ديني = ويقيني من أفضل المغروس
وبعدما صلينا الظهر بهذه الزاوية الجليلة المعظمة ، انطلقنا صوب السيارة وفق جولتنا المرتبة المنظمة ، فقصدنا عندئد قبر العلامة القاضي الحاج احمد سكيرج رضي الله عنه ، وهو مدفون داخل ضريح القاضي أبي الفضل عياض ، ففرحنا كثيرا بوصولنا لذلك الرياض ، ثم قرأنا الفاتحة على روحه الشريفة ، واستظللنا بظلاله الوريفة ، وكانت تلك الساعة ساعة حميدة ،أحسسنا فيها براحة جديدة ، وتوالت علينا فيها بركات عديدة ، وذهب عني ما كنت أشعر به من تعب ونصب ، حتى كأنني بالجنة في بيت من قصب وشممت وقتها من عاطر البخور مختلف النفحات ، وعلمت يقينا أن الله قد طوى عني سئ الصفحات، فساألته العفو والعافية مهما صدر مني وحصل ، وفارقني عندها الشؤم والهم وانفصل ، ولله الأمر من قبل ومن بعد ، وهو خير من أبرم العهد والوعد.
وهنا كمل المراد من تدوين هذه الرحلة الجليلة ، بعدما أبرأت ببهجتها كل ذات عليلة ، ونساله بها أن يمن علينا بنعمه الوافية ، وإمداداته الإضافية ، وأن يرزقنا الفهم ، ويدفع عنا الوهم ، وفي هذا القدر كفاية كافية ، فنحمد الله الذي لا تخفى عليه خافية ، والسلام.
اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق ، والخاتم لما سبق ، ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم ، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.