السؤال الرابع :
هل زيارة الأولياء أحياء وأمواتا إذا كانت بقصد الصلة العامة لا بقصد التعلق والإستمداد، مع وفور محبتهم ونهاية تعظيمهم، من حيث أنهم عباد الله وخيرة خلقه لا غير فيها منع يؤدي الزائر بذلك الشرط لقطعه عن الطريق والعياذ بالله ؟ وإذا قلنا بعدم المنع فما الذي يترتب على من أسند المنع لمولانا القطب المكتوم ؟
الجواب : إن المريد العارف بمعنى الزيارة غير ممنوع منها، ولا يكون عارفا بها إلا من كان يتحقق بمعنى الإخلاص ويعمل بمقتضاه، وقد قال الولي الصالح سيدي العربي بن السائح(1) رحمه الله : العامة أمثالنا لا يعرفون العمل لله، يعني أنهم لا يخلصون في أعمالهم، فالأولى هو المنع من الزيارة مطلقا سواء كانت زيارة تعلق واستمداد، أو زيارة اعتبار، أو قصد الصلة العامة، وقد قال الشيخ الأكبر ابن عربي(2) قدس سره فيما نحفظه منقولا عنه : ما سامح شيخ مريده في الإجتماع بغيره قط، وفي المنية(3) :
وكل من أخذ عن شيخ وزار…سواه لم ينفع به ولا المزار
فالأولى عدم الزيارة ووجوب المحافظة على حرمة الشيوخ، فإنها من حرمات الله، وقد أنشد في الفتوحات :
ما حرمة الشيخ إلا حرمة الله…فقم بها أدبا لله بالله
وقد علمت أنه لا يترتب شيء على من أسند المنع للشيخ رضي الله عنه، لأنه هو الوارد عنه، والتفرقة بين زيارة التعلق والإستمداد وبين غيرها إنما هو في حق العارف، والعارف غير محجر عليه كما هو مقرر.
__________
(1) سبق التعريف به في ج 1 ص 308 من هذا التأليف.
(2) العارف بالله الشيخ الأكبر سيدي محي الدين بن عربي الحاتمي رضي الله عنه، أحد أكابر الشيوخ المربين، له مؤلفات كثيرة أشهرها الفتوحات المكية، وتمتاز كتبه بالدقة والتحقيق فضلا عن غوصها في بحور المعرفة اللدنية الكبيرة، وقد ترجم الكثير منها إلى لغات مختلفة، توفي رحمه الله بدمشق وبها دفن سنة 638هـ أنظر ترجمته في الطبقات الكبرى للشعراني ج 1 ص 188 رقم الترجمة 288، وفي جذوة الإقتباس لابن القاضي ص 281 رقم الترجمة 291، وفي الأعلام للزركلي ج 6 ص 281 وفي فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي ج 2 ص 241. وفي ميزان الإعتدال للذهبي ج 3 ص 108 وفي لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج 5 ص 311، وفي فهرس الفهارس لعبد الحي الكتاني ص 316 رقم الترجمة 133.
(3) منية المريد نظم في فقه الطريقة التجانية، للعلامة الكبير، والأديب الشهير، سيدي التجاني بن بابا بن أحمد بيب بن عثمان العلوي الشنجيطي، سماه والده بالتجاني تبركا باسم سيدنا الشيخ رضي الله تعالى عنه، توفي بالمدينة المنورة سنة 1266هـ ودفن بالبقيع، أنظر ترجمته في فتح الملك العلام للفقيه سيدي محمد الحجوجي بتحقيقنا عليه، رقم الترجمة 60، وفي بغية المستفيد لسيدي محمد العربي بن السائح ص 98 وفي روض شمائل أهل الحقيقة لابن محم العلوي الشنجيطي رقم الترجمة 33، وفي شجرة النور الزكية لمخلوف ص 398 رقم الترجمة 1592، وفي الأعلام للزركلي ج 1 ص 103، وفي دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي ج 5 ص 413. وللإشارة فإن هذا النظم قد شرحه العلامة الولي الصالح سيدي محمد العربي بن السائح رضي الله عنه تحت عنوان : بغية المستفيد لشرح منية المريد.