وبحلول شهر شوال الموالي عين السلطان المولى اليزيد أخاه المولى سليمان خليفة له على مدينة مراكش، بيد أن أهل هذه المدينة كانوا يودون ما هو أكبر من ذلك، وهو ذهاب السلطان لمراكش والإقامة بها، على غرار ما كان يفعله والده السلطان المولى محمد بن عبد الله، وقد شكلوا في هذا الصدد وفدا مهما من جلة علمائهم، وأفاضل أعيانهم، وفدوا على السلطان المولى اليزيد بمدينة فاس في خضم شهر ذي القعدة الحرام عام 1204هـ ــ 179م، وتشفعوا له بأبيه وجده على أن يعمل على تلبية طلبهم المذكور ،فواعدهم بتلبيته مستقبلا ،غير أن ذلك الوعد لم يكن ليرضي أفراد هذا الوفد، فعادوا لمراكش وقد ساءت نيتهم في شخص السلطان الجديد، وندموا على سوء صنيعهم بأخيه المولى هشام،وعلى قتلهم لحليفه الفقيه الحاج بلا بن عزوز ،وقالوا : هذا هو مصداق نصيحته حين قال مخاطبا لهم : بايعوا مولانا هشاما،فإن اليزيد لن يخوض وادي أم الربيع
وخلاصة القول فقد كانت نوايا السلطان المولى اليزيد وقتئذ منصبة على تحرير مدينة سبتة(1)
__________
(1) ـــــ سبتة : إحدى المدن التاريخية العتيقة بالمغرب ، كانت تدعى قديما [سبتيم] تم احتلالها من طرف البرتغال آواخر عهد الدولة المرينية عام 818هـ ـــ 1415م ، ثم بعد ذلك من طرف الإسبان ، وكان لحدث اغتصابها عواقب وخيمة على الوضع السياسي بالبلاد إذذاك ،كما كان له آثار سلبية على الأقاليم الشمالية للمملكة ، إن لم نقل على البلاد برمتها ،ومنذ التاريخ المذكور دخلت المقاومة المغربية في صراع مع المحتل بغية تحرير هذه المدينة ، ولم تتوانى القبائل المجاورة لها من تقديم الدعم الكامل لهذا المسار وتحفيز المجاهدين على الكفاح
ولا يفوتنا التنبيه على حصار السلطان البطل المولى إسماعيل لهذه المدينة وكفاحه العظيم من أجل تحريرها ،فقد حاصرها أول مرة على مدى 16 سنة ، ما بين عامي 1084هـ ـــ 1100هـ موافق 1673م ـــ 1689م ،ثم حاصرها للمرة الثانية في مدة أطول من المدة الأولى ، وهي 33 سنة ، ما بين عامي 1106هـ ــــ 1139هـ موافق 1694م ـــ1727م
ويعد السلطان المولى اليزيد من أكثر السلاطين المغاربة المتنازعين على العرش اهتماما بميدان سبتة ، وقد قام في هذا النطاق بأدوار طلائعية غير مسبوقة ، لعل منها كبح جماح الإسبان الذين كانوا يهدفون إلى التهام المزيد من أراضي قبيلة آنجرة المتاخمة لسبتة ، مع العلم أنهم كانوا قد توسعوا على جانبيها الجنوبي والغربي إبان عهد السلطان المولى محمد بن عبد الله ،وهو ما أثار موجة غضب عارمة لدى سكان القبائل الشمالية للمملكة ، الذين رأوا في جلالة المولى اليزيد الرجل المناسب لهذه المسؤولية ، والقادر على خوض غمار معارك التحرير إلى أن تعود هذه المدينة السليبة لوطنها الأصلي