الحمد لله المنفرد بالملك والخلق والتدبير، الذي أبدع الأشياء بحكمته واخترع الجليل منها والحقير، الغني عن المعين والمرشد والوزير. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (1). يوتي الملك من يشاء ويعز من يشاء وهو المدبر القدير، جاعل الملوك كفّا للأكف العادية، وولايتهم مرتعًا للعباد في ظل الأمن والعافية، وبيعتهم أمنا من الهرج والفساد، وقمعا لأهل الشر والعناد، فهم ظل الله على الأنام، وحصنا حصينا للخاص والعام، حسبما أفصح بذلك سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فتبارك الله ربنا الذي شرف هذا الوجود، وزين هذا العالم الموجود، بهذه الخلافة المباركة، والإمامة الحسنية، الهاشمية العلوية، والطلعة القرشية المحمدية، التي صرفت الوجوه إلى قبلتها المشروعة، واستبان الحق عند مبايعتها والإنقياد لدعوتها المسموعة.
نحمده تعالى على ما مَنَّ به علينا من هذه الإمامة السعيدة، ونشكره جل جلاله شكرا نستوجب به من الهناء إفضاله ومزيده، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ليس في الوجود إلا فعله، أجرى الأقدار على حسب ما اقتضاه حكمه وعدله، ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبده ورسوله، ومصطفاه من خلقه وخليله، سيد المخلوقات كلها من إنس وجان، والمصفى من ذؤابة معد بن عدنان، صاحب الشريعة المطهرة التي لا يختلف في فضلها اثنان، والدين القويم الذي هو أفضل الأديان، الذي اختصه الله بين الأنبياء بمزية التفضيل والتقديم، وافترض على أمته الغراء فريضة الصلاة والتسليم، وأثنى عليه في كتابه الحكيم، فقال جل ثاؤه، وتقدست صفاته وأسماؤه. وإنك لعلى خلق عظيم (2). صلى الله عليه صلاة متصلة الدوام، متعاقبة بتعاقب الليالي والأيام، وعلى آله الكرام الأطهار، وصحابته النجباء البررة الأخيار، الذين أوضحوا لنا الحق تبيانا، وأسسوا لهذه الملة السمحة قواعدا وأركانا، وعلى من اقتفى أثرهم القويم، واهتدى بهديهم المستقيم، إلى يوم الدين.
__________
(1) سورة الملك، الآية 14
(2) سورة القلم، الآية 4