كان سيدنا رضي الله عنه يقول : لا يكمل نفع الأشياء إلا بعد بلوغها من الثمار واللحم وغيرهما. وكان يأمر المتكلف بنفقته أن لا يشتري من ذلك إلا الحسن الجيد. وأما ما كان غير كامل الحسن فإنه يرده ولا يقبله(1)، وكان رضي الله تعالى عنه لا يأكل في اليوم إلا مرة واحدة، وذلك في الساعة العاشرة من النهار. وكان كثيرا ما يأكل الكسكس على نوع مخصوص من الطبخ، وكيفية ذلك أنه يأخذ المسخنات المعروفة عندنا برأس الحانوت، ويطبخها مع التمر المجهول، ويجعل ذلك خضرة على الكسكس ويأكل منه لقيمات، ثم يأخذه الإخوان فيأكلوه تبركا، وكان يطبخ أيضا اللحم على هذه الكيفية، وهذا النوع كالنوع المعروف عندنا بالمروزية، إلا أنه يجعل التمر عوضا عن الزبيب، ويشرب على ذلك شراب الزبيب.
__________
(1) كانت المؤونة اليومية لدار سيدنا الشيخ رضي الله عنه كبيرة وعظيمة، بحيث يحسب من لا يعرفها بأنها مؤونة لديار كثيرة متعددة، ولتقريب القارئ من وفرة هذه المؤونة وعظمها نشير إلى ما ذكره العلامة سكيرج في كتابه كشف الحجاب، عند ترجمته للعارف بربه البركة سيدي العربي الأشهب، حيث قال : وبلغني أن صاحب الترجمة كان مارا في بعض طرق فاس، صاعدا إلى دار سيدنا رضي الله عنه، ومعه ثمانية أحمال من الفحم، اشتراها لآجل طبخ المؤونة لدار سيدنا رضي الله عنه، فصار كلما مر بطريق يقول له بعض الفضوليين من أهل فاس : هذا الفحم به يستعمل سيدي أحمد التجاني الكيمياء والإكسير، قاصدين بذلك تنقيص الشيخ رضي الله عنه، وصاحب الترجمة لا يجيبهم إلى أن وصل لدار سيدنا رضي الله عنه، فوجد الشيخ رضي الله عنه مع جماعة من أصحابه هناك، فقال له الشيخ رضي الله عنه : يا سيدي العربي ماذا سمعت الناس يقولون لك ؟ فأخبره بقولهم، فقال له الشيخ : نطلب من الله أن يسامحهم فيما يقولون.