57- السيدة عائشة الحفيانية بنت العلامة العارف بربه سيدي محمد الحفيان الشرقي
( زوجة الولي الصالح العلامة سيدي العربي بن السائح ) كانت من أهل الصدق والتصديق، خاشعة القلب، مرهفة الوجدان، غزيرة الدمع، لبيبة فاضلة، حازمة تقية، لا يفتر لسانها عن ذكر الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، متواضعة لمن يحدثها، جادة في الإلتزام بشؤون الشرع، لا تقبل بشيء من التساهل فيه، كما كانت معروفة بالبشاشة والكرم، وحسن الضيافة، ومواصلة الأرحام، وما إلى ذلك من خصال آخرى.
تزوجها الولي العلامة المذكور وبنى بها عام 1270 هـ ــ 1854م، وكان شقيقها المقدم البركة سيدي العربي بن محمد الحفيان وصيا عليها إذ ذاك بحكم وفاة والدها قبل ذلك التاريخ بستة عشر سنة.
وكان سن الولي الصالح سيدي العربي بن السائح لدى زواجه بها 41 سنة. ومن جملة الشروط التي تضمنها عقد النكاح حينئذ أن يقيما معا بمدينة الرباط، لكون الزوج ( سيدي العربي بن السائح) كان يرغب في العودة لمسقط رأسه ( مكناس ) بيد أنه التزم أخيرا بهذا الشرط، فاستوطن مدينة الرباط إلى حين وفاته رضي الله عنه.
وكان يحبها محبة خاصة، ووقفت على قول له رضي الله عنه، يمدحها به، وقد أحسن في ذلك للغاية حيث قال :
وَرِيــمٌ رَمَـتْ قَـلْـبِي بِأَسْهُمِ لَحْظِهَا * فَلَمْ تُخْطِهِ إِذْ لَمْ تَكُنْ عَنْهُ طَائِشَهْ
مُـنَـاءِي مِـنَ الـدُّنْيَا أَمُوتُ صَبَابَةً * لَـدَيْهَا وَشَوْقاً نَحْوَهَا وَهْيَ عَائِشَهْ
من ذلك أيضا قوله رضي الله عنه وقد أجاد :
يَا سَعْدُ سَاعِدْنِي بِحَقِّكَ وَاشْفِنِي * فَسِهَامُ فِكْرِي فِي أُمُورِكَ طَائِشَهْ
أَيَــحِــلُّ أَنِّـي فِـي الـمَـحَـبَّـةِ مَـيِّتٌ * وَحَــبِـيـبَتِي مِنْ بَعْدِ مَوْتِي عَائِشَهْ
توفيت عشية يوم الجمعة 5 صفر الخير عام 1319 هـ - 24 ماي 1901م، ودفنت بجانب قبر زوجها من جهة اليسار، وللعلامة سكيرج قصيدة في مدح هذه السيدة الفاضلة قال في مطلعها:
طَــرَحْـتُ نَـفْـسِـي عَلَى أَعْتَابِ سَيِّدَتِي * عَـــسَـــى أَنَـــالَ بِــهَــا بُــلُـوغَ أُمْـنِـيَـتِـي
وَضَــعْـتُ نَـفْسِي عَلَى الرِّجْلَيْنِ مُلْتَثِماً * تُــرَابَ نَــعْـلَـيْـهِـمَـا لِـكَـشْـفِ مُعْضِلَتِي
فَـــإِنَّـــهَـا لَـمْ تَـزَلْ فِـي الـقَـبْـرِ عَـائِـشَـةً * مِــنْ جُـمْـلَـةِ الـشُّـهَدَا بِالمَوْتِ لَمْ تَمُتِ
فَــــلُـــذْ بِـــهَــا وَتَــأَدَّبْ طَــالِــبــاً مَــدَداً * تَــحْــضَـى بِـمَـا رُمْـتَـهُ مِـنْ كُـلِّ مَسْأَلَةِ
يَــا زَوْجَـةَ الـسَّـيِّـدِ ابْـنِ السَّائِحِ العَرَبِي * يَــا مَــنْ لَـهَـا فِـي الـعُـلاَ كَـمَـالُ مَـنْقَبَةِ
جُــودِي لِـضَـيْـفٍ ضَـعِـيـفٍ وَهْوَ مُفْتَقِرٌ * لِــمَــا لَـدَيْـكِ فَـمِـنْـكِ الـخَـيْـرُ لَـمْ يَـفُتِ
وَعَــــجِّــــلِــــي بِـــقَــضَــاءِ مَــا أُؤَمِّــلُــهُ * فَــكَـمْ كَـشَـفْـتِ عُـضَـالَ كُـلِّ مُـشْـكِلَةِ
حَــشَـاكِ حَـشَـاكِ أَنْ يَـخِـيـبَ لِـي أَمَـلٌ * وَقَــدْ حَـطَـطْـتُ أُمُـورِي عِـنْـدَ سَـيِّـدَتِي
مِــنِّـي عَـلَـيْـكِ سَـلاَمُ الـلَّـهِ يَـشْمَلُ مَنْ * أَتَـــــى إِلَـــيْـــكِ يُــرِيــدُ نَــيْــلَ أُمْــنِــيَّــةِ
كَذَا عَلَى السَّيِّدِ الزَّوْجِ الرِّضَى العَرَبِي * مَـــنْ قَـــدْرُهُ قَــدْ رَقَـى لِـخَـيْـرِ مَـرْتَـبَـةِ
ومن كراماتها رضي الله عنها ما ذكره العلامة الحافظ سيدي محمد الحجوجي في الجزء الرابع من كتابه الإتحاف، الذي أفرده بعنوان خاص، ونصه : الأزهار العطرة الروائح، في التعريف بمولانا العربي بن السائح، قال فيه :
من ذلك ما أخبرني به بعض الثقاة الأفاضل، أن رجلا أتى إلى مولانا السيد رضي الله عنه من أهل البادية من مرحلة بعيدة، ولما جلس بين يديه طلب منه الإذن في ورد سيدنا رضي الله عنه، فما أراد أن يأذنه. فقال ذلك الرجل يا سيدي تشفعت إليك بمولاتنا السيدة رضي الله عنها إلا ما أذنتني. فأقبل عليه مولانا السيد إقبالا لم يعهد مثله، وأذن له، ولما خرج الرجل من باب رياض مولانا السيد رضي الله عنه وجد أمة بباب الدار، فناولته إزارا بداخله شيء، فلم يفتحه، بل جَدَّ في السير إلى أهله، فصار رفقاؤه يقولون له لابد أن تفتح لننظر ما أرسلت لك به مولاتنا السيدة، فلم يفعل، فبينما هو في أثناء الطريق إذ أتته المنية فجأة، فقام رفقاؤه إلى ذلك الإزار وفتحوه، فوجدوا فيه كفنه وما يحتاج إليه الميت، إلى غير ذلك من كراماتها، ككونها كانت تتمنى الشيء فيحضر حينا، ويبقى مولانا السيد يتعجب من ذلك.
وفي حق هذه السيدة الفاضلة يقول الفقيه الأديب العلامة سيدي الحاج مَحمد [فتحا] كنون، من خلال قصيدة له في مدح مولانا الشيخ أبي العباس التجاني رضي الله عنه، وخليفته الولي الصالح سيدي محمد العربي بن السائح،
يَــا رَبِّ بِـالـغَـوْثِ الـكَبِيرِ المُرْتَضَى * خَــتْـمِ الـوِلاَيَـةِ مَـنْ سَـمَـى كَـالفَرْقَدِ
يَـــنْـــبُـــوعِ كُــلِّ فَــضِـيـلَـةٍ وَمَـجَـادَةٍ * أُسِّ الــمَـفَـاخِـرِ ذِي الـمَـقَـامِ الأوْحَدِ
أَعْــنِـي أَبَـا الـعَـبَّـاسِ أَحْـمَـدَ مَـنْ بِهِ * يَـرْقَـى الـمُـريدُ إِلَى المَقَامِ الأَصْعَدِ
ذَاكَ ابْــنُ سَــالِـمٍ الـتِّـجَـانِـي عُـدَّتِـي * وَذَخِــيــرَتِـي وَوَسِـيـلَـتِـي بَـلْ مُـرْشِـدِ
وَبِـــجَـــاهِ وَارِثِــهِ الإِمَـامِ الـمُـنْـتَـقَـى * بَـــحْــرِ الـعُـلُـومِ وَحَـبْـرِهَـا الـمُـتَـفَـرِّدِ
أعْـنِـي أبَـا الفَيْضِ الَّذي يَدْعُونَهُ ال * عَـــرَبِــيَّ نَـجْـلَ الـسَّـائِـحِ الـمُـتَـجَـرِّدِ
وَبِــجَــاهِ عَـائِـشَـةَ الـمَـصُـونَـةِ زَوْجِهِ * ذَاتِ الـــمَــفَـاخِـرِ وَالـعُـلاَ وَالـسُّـؤْدَدِ
تِــــلْـــكَ الَّــتِــي وَالَــتْـهُ فِـي أَسْـرَارِهِ * وَغَــدَتْ مُـضَـاجِـعَـةً لَهُ فِي المَلْحَدِ
فَــبِـجَـاهِـهِـمْ يَـا رَبِّ عَـجِّـلْ مَـطْلَبِي * وَاخْـــتِـــمْ بِـخَـيْـرٍ يَـا إِلاَهِـي وَأَسْـعِـدِ
وَاجْبُرْ بِفَضْلِكَ كَسْرَ عَبْدِكَ مَنْ غدَا * يَــرْجُـوا الـمَـفَـازَ هُـنَـا وَأَمْـناً فِي غَدِ
وَاغْــفِـرْ بِـفَـضْـلِـكَ يَـا غَـفُورُ ذُنُوبَنَا * وَالْـــطُـــفْ بِــنَــا يَــا رَبَّـنَـا بِـمُـحَـمَّـدِ
صَـــلَّـــى عَـــلَــيْــهِ إِلاَهُــنَــا مَـعْ آلِـهِ * وَعَــلَـى صَـحَـابَـتِـهِ الـكِـرَامِ الـعُـبَّـدِ