|
|
وقد كان في مجاورة الدرب الذي نحن ساكنون به رجل يبيع الحلوى موسوم بالخير، له محبة كبيرة في جانبي وأنا صغير. فكان يطلب من والدي ووالدتي أن أبيت عنده، فتقول له : يا سيدي : إنه يبول، فيقول : مقبول مقبول، فكان سيدي الوالد يشفق من حاله، فأبيت عنده وهو في فرح تام مع زوجته بي، وقد كانوا يتفاءلون بإقباله علي، وكان ممن هم موسومون بالصلاح. ثم بعدما عقلت القربة ذهب بي سيدي الوالد إلى المكتب عند الفقيه المدرر السيد ابن شقرون، بالحانوت التي عن يمين الداخل لحومة عين الخيل. ثم إلى الفقيه الطراف بقصد التعلم. ولم أستحضر شيئا مما استفدته من هذين الفقيهين، ولم أحصل على يديهما شيئا، بل الآن إنما تخطر صورتهما بين عيني، من غير معرفتي بهما، لعدم ضبطي لحالي في ذلك الوقت بما كان يعتريني من الجذب، فلذلك لم أستحضر الآن جل الأحوال التي كنت عليها زمن الطفولة حتى انجلى عني الجذب أيام الصبا، فتعلمت الكتابة. فكنت في جل الأوقات لا أخرج من الدار إلا للمكتب ثم أرجع إليها. وأجمع بين يدي أوراقا فأخط عليها خطوطا وأجعل عليها دوائر بألوان، وأكتب بوسطها بعض الآيات، مع هذه الكلمة (بركة محمد) بالخط الكوفي بشكل أربعة عشر طولا وعرضا. وربما بعت ذلك، وأعمل ذلك مع تزويق بنشاط تام.
وكان جل أقاربي يعتقدون في جانبي، ويتبركون بما أكتبه من ذلك. وربما طلبوا مني كتب حرز لهم طبق أغراضهم، فيقع ذلك لهم فيزيدهم ذلك في جانبي حسن ظن، وجميل اعتقاد، فكنت مع صغر السن مقصودا لذلك. فتاقت نفسي إلى الخوض في علم الجدول، وسر الحرف والإسم، فكان أول كتاب اشتغلت بمطالعته في هذه الفنون هو الجزء الأخير من تذكرة الشيخ داوود الأنطاكي(1) ، بعد أن قرأت طرفا من القرآن. وكانت همتي مصروفة في ذلك.
ومع شدة اعتناء سيدي الوالد بي لم أكن أحفظ كثيرا. بل الغالب علي كثرة النسيان. وماذاك إلا لعدم إقبالي بالكلية على حفظ ما أومر بحفظه. حتى كان رحمه الله يظن أني لا أحصل شيئا مما كانت والدتي تقدمني إليه لأكون مثل أخي من ضرتها سيدي محمد حفظه الله. فقد كانت تراه مقبلا عليه لما له من الحفظ والنجابة، مع ذكاء وإقدام على الأمور. مع فصاحة زاد الله في معناه. وكانت تحب أن أكون مثله. وأنا في بلادتي مقيم وجمود قريحة. إلا ما كان من الخوض فيما أشرت له، فقد كنت أجد من نفسي إقبالا عليه، وقابلية في فك رموز ذلك الكتاب، واستفحل الأمر عندي بمطالعة غيره من كتب فن الجدول ونحوه من فنون السيميا، وأتعلق بمن له معرفة بذلك لأخذه منه، مع صغر سني.
__________
(1) داوود بن عمر الأنطاكي، عالم بالطب والأدب، كان ضريرا، انتهت إليه رياسة الأطباء في زمانه، وكان قوي البديهة يسأل عن الشيء من الفنون فيملي على السائل الكراسة والكراستين، قال المحبي : وقد شاهدت رجلا سأله عن حقيقة النفس الإنسانية فأملى عليه رسالة عظيمة.
…وله مصنفات كثيرة أشهرها : تذكرة أولي الألباب، في الطب والحكمة، في ثلاث مجلدات، والنزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة، وزينة الطروس في أحكام العقول والنفوس، وغاية المرام في تحرير المنطق والكلام، ونزهة الأذهان في إصلاح الأبدان، وتزيين الأسواق، في الأدب، وكفاية المحتاج في علم العلاج، وألفية في الطب، وشرح عينية ابن سينا، ورسالة في علم الهيئة، وكانت وفاته رحمه الله بمكة عام 1008هـ، أنظر ترجمته في خلاصة الأثر للمحبي ج 2 ص 140-149، وفي الأعلام للزركلي ج 2 ص 333.
hadikat-ounssi
|