فما بال الناس لا يتسارعون لسماع ما يتلى عليهم مما يعد تذكرة للعارفين، وتبصرة للمتعلمين، كأنَّ القوم في غنى عَن العلم، مع أن الرجل لا يزال عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل، وَهب أنهم علموا ما يكفيهم من العلم فإن العالم مأمور بالاستزادة من العلم كما أُمِرَ بذلك سيد العالمين بقوله تعالى: وقل رب زدني علما(1)، فإنَّ العلم ميدانه فسيح وقد قيل:
قل للذي يدعي في العلم معرفة ……علمت شيئا وغابت عنك أشياء
ولقد أفضى الولوع بالحضور في نادي المسامرات في بعض الأقطار أن يؤدوا قدرا من الدراهم في رخصة الدخول لسماع المسامرة ممن يلقيها، فيدفعوا ذلك القدر بطيب نفس، مع زيادة حرصهم على إقامة مسامرة أخرى لينتهزوا فرصة الحضور فيها بما أمكنهم، ونحن لا يحضر لنادينا من أبناء الوطن إلا بعض من أشرنا لهم بلا شيء، فضلا عن أداء شيء، فهل يا ترى هناك طريقة يتوصل منها إلى زرع حب العلم في القلوب فتتحرك النفوس لتلقي نفيس الدرر في مجالس العلوم، ويحصل الشعور للحضور لنادي المعارف بين الخصوص والعموم.
نرى هناك طريقة كان عليها عمل الأمراء بهذه الإيالة السَّعيدة من قبل، وهي التشديد على الجهلة في الوظائف بعدم تصدرهم فيها، والتضييق عليهم في أداء الواجبات الدولية المالية، وتشييد المنار لأولي العلم بمنحهم بالوظائف طبق الاستحقاق بقدر معلوماتهم، وتخفيف وطأة أداء الضرائب التي يبتلى بها الجاهل لجهله ويكرم بها العالم لعلمه.
وقد كان من عادة الأمراء أن لا يكلفوا بالأشغال الشاقة إلا الجهلة، ويحرر أهل العلم من التكليفات المخزنية من نحو الاندراج في سلك الجيش العسكري والحركة المولوية وغير ذلك، مما قضى على ذوي النفوس أن يتعلموا بقدر الإمكان في كل مكان، وكل من له ولد عزيز عليه يخاف عليه من التكليف المخزني يبادر به إلى محل التعليم حتى تداخل في ذلك ذوو الأغراض، وانجلت العزائم ببطانة الجهل التي اتصلت بالأمراء، فاختلط الحابل بالنابل، وعمَّ الجهل حين لم يبق تمييز لذوي العلم، فبردت الهمم، وتراكمت الظلم.
ولا نقصد بالعلم مجرد علم العبادات والمعاملات، بل العلم من حيث هو علم يمتاز صاحبه عن صاحب الجهل لأنه لا عمل يعتد به في سائر الأمور بالجهل وإنما المدار على العلم.
__________
(1) - سورة طه، الآية 114.