ثم قال سيدنا رضي الله عنه :
و هل وابل العلم اللدني(1) هاطل ……إلي و يبقى دائمًا كل لحظة
فهذا استفهام فيه تمني نيل العلم اللدني، و هطل وابله إليه، و طلب بقائه كل لحظة فائضا عليه، و قد تحقق بهذا المقام حسبما أشرنا له أول الكلام، فكان رضي الله عنه بحرا زاخرا، كل من أراد أن يسأله أو يكتب عنه يملي له من غير تأمل في كل ما أراد، كأنه لوح بين عينيه ينظر فيه، و هذا مُشَاهد للخاصة و العامة كما قاله في الجامع، ثم قال عقبه: و قال لي مرة بعد أن كتبت عليه جواب مسألة: لو سألني أحد أربع سنين و أنا أملي عليه و هو يكتب لم يفرغ، يعني من غير تأمل.
قلتُ وهذه أحوال العلم اللدني رضي الله عنهم، و لا يستغرب هذا منه، لأن سيد الوجود صلى الله عليه وسلم قال لهُ: كل ما أمليت فأنت مترجم عني، أو كلاما هذا معناه. إهـ..، فهو رضي الله عنه هطلت سحائب العلم اللدني عليه بالوابل، بما لم يمطر به على الأوائل، و قد أقرَّ له بهذا معاصروه، و بقيت رشحة من علومه و معارفه تنبع من عيون كمالاته المودعة في ضمن ما ألفه البعض من أحبّائه و إخوانه، و العرب عنها: كل من جاء بعده بتبيانه، يمليها على لسانه، ويرسمها ببنانه، و في ذلك أعظم كرامة له في كل عصر، تظهر بين أحبابه في كل مصر، و لا يجحد هذا إلا من طبع على قلبه بطابع الحرمان، و معرفة أمثاله و التسليم لهم لا ينال إلا بتأييد الرحمن، فقد بلغ رضي الله عنه الغاية القصوى من جميع مطالبه، واستولى من كل مطلب منها على أعلا مراتبه، فكان قوله:
و هل أملي من هذه بالغ المدى ……فيا حبّذا أم لا بلوغ لمنيتي
و هل تجمع الأيام شملي ببغيتي ……و نيل مُرادي أم أمُوت بحسرتي
من تمام الإستفهام المبني عليه طلب تعجيل قضاء مطالبه التي وفق لها بإلهام، و قد نالها وفق المرام، فإنه رضي الله عنه جمعت الأيام شمله ببغيته، و بلغته فوق أمنيته قبل منيته، فكملت له المسرة، ولم يمت منها بحسرة، و حق له أن يقال في جوابه:
بلغت المدى يا حبّذا من مزية ……بها فقت أهل الله يا خير صفوة
حَباك بما تهواه ربك بالرضى ……على وفق ما يرضاه منك بدعوة
فنلت من الحب الذي يكشف العنا ……و يحيي نفوس الخلق أنفس سكرة
و فوق ذوي الإحسان صرت مبَرزا ……و ذلك فضل الله طبق المشيئة
فأنت بغيب الله بالله حاضر ……مع الكل و الأكوان فيك تجلتِ
قد انطبعت فيك المحاسن كلها ……بنفحة قرب فيه هدم الطبيعة
و قد جذبتك بالتجلي جواذب ……إلى حضرة في ضمنها كل حضوةِ
و قد وردت بالوصل منها بشائر ……ترقيك في العليا لأرفع رتبة
وردت بها بحر الشهود حقيقة ……فنلت شفاء كاشفًا كل غلّة
و قد طلعت شمس المعارف و الهدى ……بقلبك و الأنوار منك تبدَّتِ
وصلت إلى الله الكريم مؤيدا ……بخير كرامات و كل كريمةِ
لبست من التوحيد خير حلى و قد ……تمكنت حقا في بساط الحقيقة
و نلت بجمع الجمع بالله وصلة ……بها صرت موصولا بكل جميلةِ
و أنت من العلم اللدني رويتَ ما ……بهِ منك قد فاضت ينابيع حكمة
ليهنيك يا مولاي يا أحمد الرضى ……بُلوغك للمطلوب قبل المنية
و هذه المطالب التي استفهم عنها رضي الله عنه كانت في ابتداء أمره، و نظمها في تلك الأبيات التي جارينا الكلام عليها من غير تأنق في تتبعها و لا قصد في استيفاء ما اشتملت عليه من المطالب بتفننها و تنوعها، و قد ضُمِنَت له، و لم ينتقل من الحياة الدنيوية حتى حصل على غاية المنتهى منها، وفق ما كان يتمنى فضلا من الله و امتنانا، و الله يوتي فضله من يشاء و الله ذو الفضل العظيم وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح الخاتم و على آله وأصحابه أجمعين إلى يوم الدين، و الحمد لله رب العالمين. إهـ..
__________
(1) - المقصود بالعلم اللدني في مصطلح القوم هو: معرفة ذات الله تعالى وصفاته علما يقينا من مشاهدة وذوق ببصائر القلوب. إهـ.. وقد جاء لفظ (لدني) في القرآن الكريم في قوله تعالى: آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما. إهـ.. وجاء أيضا في آيات أخرى، بيد أن الآية المذكورة اختصت بقصة موسى والخضر المذكورة في سورة الكهف، وهي تشير إلى اختصاص الله عز و جل للسيد الخضر بهذا العلم الباطني العظيم، وينصب موضوع هذا العلم حول أحكام الأسماء الإلاهية ولوازمها، وكيفية ظهورها في مظاهر الوجود، كما يحتوي العلم بأعيان الموجودات الثابتة، وأعيانها الخارجية من حيث هي مظاهر للحق.