قوله رضي الله عنه "قل له يرهن لنا هذا البرنوس في شيء من الخبز و الكرموس"
اعلم أن بعض المنكرين حين رأى هذه المقالة الشريفة مكتوبة في الإفادة استقبح ذكرها. وقال: أي فائدة في عدها من كلام الشيخ المنوه بشأنه بين ذوي المجادة، و ما درى هذا المنكر أن هذه المقالة تضمنت من حسن الشمائل ما يدل على رفعة همة سيدنا رضي الله عنه. ومعاملة أحبابه و أصحابه بما به تنشرح صدورهم. و يكمل به نفعهم. و يتم به سرورهم. وبيان ذلك أنه رضي الله عنه لم يتصدر للمشيخة ليخدمه التلامذة المتعلقون بأذياله. فيسلب منهم الأموال بنصب شبكة الإحتيال في سائر أحواله. بل كان رضي الله عنه على خلاف ما يعهد من المتمشيخين في استخدام المريدين. خصوصاً في حضرات المذاكرة و المحاضرة والمسامرة. فكان هو القائم بالإنفاق و لا يفترق مع واحد منهم إلا على الأذواق. و يبالغ في مقابلتهم بما يدخل السرور عليهم. و يتحافظ على ما يحفظ قلوبهم مما يشوش عليهم. في كل ما يسديه إليهم. حتى أنه حضر ليلة مع الإخوان رجل غير صديق، فأعطاه سيدنا رضي الله عنه شيئا ليقضي به غرضا خارج الزاوية. و حين خرج أمر أصحابه بسد الباب. وأن لا يفتحوها لأحد بعده، و قال لهم: إنه لا يعود إليكم. و قد اشترينا ليلتكم بما دفعناه إليه. قاصدا بذلك رضي الله عنه عدم التشويش على أحبابه بحضور من ليس منهم. لأن انفراده معهم قاض بذكر بعض أسرار الطريق. و غيرها مما لا تنفع غير الصديق. بل ربما تضره على التحقيق.
و لهذا كان بعض خاصة المقدمين إذا حضر مع الأحباب يتفقدهم واحدًا واحدًا. ويستفهم عن أحوال الحاضرين معه و يقول: هل من سحاب بين الأحباب(1) . مستفهما عن غير المحب ليخوض مع الإخوان في فضائل الطريقة. و ما أعده الله لأهلها من جزيل الفضل. و هو من قبيل المحافظة على الأسرار. و التحافظ على ما ينتج من الدخيل في جمعهم من الإنكار(2). وإن كان بعض من ليس من أهل الطريق قد يستاء بذلك الإستفهام عند حضوره. و لكن الإنكار أشد إساءة. و هو أحق بالمراعاة. بغير مداهنة و لا مدارات. كما يعرف ذلك كل منصف.
و لقد كان سيدنا رضي الله عنه مع أصحابه على جانب عظيم في معاملتهم بالجميل. و العمل على ترك ما يثير غيض المنكرين. مما يعد من هذا القبيل في هذا السبيل. شفقة عليهم. ورحمة بهم. و يسدي للجميع من المعروف ما ائتلفت به قلوبهم كما بيناه سابقا. و لا شك أن رهنه لبرنوسه في ما ذكره يظهر به لكل ذي بصيرة منورة أنه رضي الله عنه كان لا يكلف أصحابه بكلفة مع ترك التكلف بكل عفة. و قد اقتدى بالرسول صلى الله عليه و سلم في رهن درعه(3) كما في الصحيح.
__________
(1) من هذا القبيل ما جاء في الطبقات الكبرى للشعراني ص 11. قال: و كان الجنيد رضي الله عنه لا يتكلم قط في علم التوحيد إلا في قعر بيته، بعد أن يغلق أبواب داره و يأخد مفاتيحها تحت وركه و يقول: أتحبون أن يكذب الناس أولياء الله تعالى و خاصته و يرمونهم بالزندقة و الكفر. إهـ..
و يحكى عن شيخنا أبي العباس التجاني رضي الله عنه أنه كان كثير الإستشهاد في هذا الصدد بقول الشاعر:
لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة ……و السر عند خيار الناس مكتوم
السر عندي في بيت له غلق ……ضاعت مفاتحه و الباب مقفول
(2) يستأنس لهذا بقوله صلى الله عليه و سلم خاطبوا الناس بقدر ما يفهمون. إهـ.. و في رواية أخرى خاطبوا الناس على قدر عقولهم. إهـ..
(3) إشارة لما رواه البخاري عن مولاتنا عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم و درعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير، و قال يعلى: حدثنا الأعمش: درع من حديد، و قال معلى: حدثنا عبد الواحد عن الأعمش و قال: رهنه درعا من حديد. إهـ.. صحيح البخاري (كتاب الجهاد والسير) باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه و سلم رقم 2849 (كتاب المغازي) باب منه رقم 4353.