قوله (اللهم) هذه الصيغة هي الأكثر في نداء إسم الله في اللغة العربية. فهو منادى على ضم الهاء في محل نصب. و الميم عوض عن ياء. و لا يجب أن يكون العوض في محل المعوض عنه بخلاف البدل. و قيل إنما أخرت الميم تبركا بالبداءة باسم الله تعالى. و قيل عوضت الميم عن يا من حروف النداء فرارا من دخولها على أل. ويُرَدُّ عليه أنه يسوغ جمع حرف النداء مع أل في الله والمحكي اختيارا. و إن كان في غيرهما لا يجمع معها إلا اضطرارا. كما قال ابن مالك:
و باضطرار خص جمع يا و أل ……إلا مع الله و محكي الجمل(1)
و مما أنشدوه في جمع حرف النداء مع أل في غيرهما قول الشاعر:
فيا الغلامان اللذان فرا ……إياكما أن تعقبانا شرا(2)
و الصواب أن إسم الجلالة له في النداء صيغتان. الأولى يا ألله. و الثانية اللهم. و هذه في النداء أكثر. و شد جمع الميم و حرف النداء في قوله:
إني إذا ما حدث ألما ……أقول يا اللهم يا اللهم(3)
و إلى كثرة النداء بهذه الصيغة و قلة جمع يا مع الميم أشار ابن مالك بقوله:
و الأكثر اللهم بالتعويض ……و شد يا اللهم في قريض(4)
فمذهب ابن مالك أن الميم تعويض عن يا. و هو مذهب أهل البصرة. فلا يقال يا اللهم إلا شاذًا في الشعر. و قال الكوفيون: إن الميم في اللهم بقية جملة محذوفة. و هي أمنا بخير و ليست عوضا عن حرف النداء و أجازوا الجمع بينهما في الإختيار و ردوا عليهم بأنه يقال: اللهم لا تؤمنهم بخير. و بأنه كان يحتاج إلى العاطف في نحو اللهم اغفر لي. و قيل في إعرابه أنه مبني على ضم مقدر على الميم لصيرورتها كالجزء منه. فيكون جعل حركة البناء على الميم كجعل حركة الإعراب على الهاء في نحو عدة وزنة بجامع العوضية. و رد بأن هذا لم يكن من مواضع تقدير الإعراب المجموعة في قوله:
في غير مقصور و منقوص أبن = إعراب اسم في سوى أحوال
إسكانه للوقف و التخفيف ثـ=ــم حكاية اتباعه للوالي
و إضافة للياء من متكلم = و كذاك إدغام له مع تال
و أتيت الميم عوضا عن حرف النداء. و لم يكن العوض بغيرها للمناسبة بين يا والميم. فإن يا للتعريف. و الميم تقوم مقام لام التعريف في لغة حمير المعبر عنها بالطمطمانية. و كانت مشددة ليكون العوض على حرفين كالمعوض. و قد تحذف أل من اللهم فيقال لاهم. و منه قول سيدنا عبد المطلب و قد أخذ بحلقة باب الكعبة و معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده:
لاهم إن العبد يمنـ=ــع رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم = و محالهم عدوا محالك(5)
و منه قول الشاعر:
لاهم إن كنت قبلت حجتج(6)
بالجيم المبدلة من ياء المتكلم. و هي لغة قضاعة. يجعلون الياء المشددة جيما. وتعرف هذه اللغة بالعجعجة. و من محذوف أل قول بعض العرب في الجاهلية في تلبيته:
لاهم لولا أن بكر دونكا ……يعبدك الناس و يفجرونكا
مازال منا عثج ياتونكا(7)
العثج الجماعة. جمع عثجة. كجرعة. و زعم الداودي أن ابن رواحة قال:
لاهم إن الأجر أجر الآخرة ……فارحم الأنصار و المهاجرة(8)
و إنما يتزن هكذا فأتى بعض الرواة على المعنى فأنشدوه بأل هكذا: اللهم إن الأجر أجر. إلخ. كما أنشده الرسول صلى الله عليه و سلم(9). ورده الدماميني بأنه توهيم للرواة بلا داعية فلا يمتنع أنه قاله بألف و لام على جهة الجزم بمعجمتين. و هو الزيادة على أول البيت حرفا فصاعدا إلى أربعة. و الكلام في هذا يحتاج إلى بسط طويناه في هذا المحل و بسطناه في غيره بسطا غير ممل. و حذف أل من اللهم كثير في الشعر و في ما ذكرناه كفاية.
ثم اعلم أن لفظة اللهم تستعمل على ثلاثة أوجه. أحدها النداء المحض كما هنا. ثانيها أن يذكرها المجيب تمكينا للجواب في ذهن السامع. كأن يقول لك القائل أَزَيْدٌ قائم؟ فتقول له: اللهم نعم. أو اللهم لا. ثالثها أن تستعمل دليلا على الندرة و قلة الوقوع نحو: أنا أزورك اللهم إذا لم تدعني. إذ الزيارة مع عدم الطلب قليلة. و منه قول المؤلفين: اللهم إلا أن يقال كذا فيقال. قال بعض المحققين: و الظاهر أن اللهم في هذين الوجهين الأخيرين لا معرفة و لا مبنية لعدم التركيب و نظر فيه بعضهم بأنه لا يسلم خروجها في الموضعين عن النداء بالكلية. و لإن سلم خروجها فلا يسلم أنها لا معرفة و لا مبنية لعدم التركيب. لأن خروج الكلمة عن معناها الأصلي لا يستلزم خروجها عما لها من إعراب أو بناء أو تركيب. والمتجه عنده أنها باقية على تركيبها بمعنى بقائها على النداء. مع دلالتها على التمكين أو الندرة. فتكون معربة كالأول. و إذا سلم هذا فيقال أنه منادى صورة فله حكمه. و لا يوصف اللهم عند سيبويه كما لا يوصف غيره مما يختص بالنداء. و أجازه المبرد بنحو: قل اللهم فاطر السماوات و الأرض. و حمله سيبويه على النداء المستأنف. إهـ و الله أعلم.
__________
(1) - البيت من ألفية ابن مالك، من باب النداء، و هو البيت رقم 583.
(2) - ذكره ابن عقيل في شرحه لألفية ابن مالك، عند قول المصنف:
و الأكثر اللهم بالتعويض ……و شذَّ يا اللهم في قريض
ثم قال: لا يجوز الجمع بين حرف النداء و أل في غير اسم الله تعالى، و ما سمي به من الجمل، إلا في ضرورة الشعر، ثم ساق البيت المذكور كشاهد.
(3) - البيت للشاعر قرطب، و هو من الشواهد التي ساقها ابن عقيل في شرحه لألفية ابن مالك، عند قول المصنف:
و الأكثر اللهم بالتعويض ……و شذ يا اللهم في قريض
(4) - البيت من ألفية ابن مالك، من باب النداء، و هو البيت رقم 584.
(5) - من حديث طويل مذكور في كتب التفاسير و السير، و انظره أيضا في المستدرك للحاكم النيسابوري (كتاب التفسير) 2: 583 رقم 4021. و للبيتين المذكورين تتمة و هي:
فلئن فعلت فربما أولى ……فَامُرْ ما بدى لك
و لئن فعلت فإنه أمر ……تتم به فعالك
جروا جموع بلادهم و الفيل ……كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم ……رقبوا جلالك
(6) - هو الشق الأول من بيت لأحد شعراء قضاعة، و هو من الشواهد المعتمدة عند العديد من أصحاب المعاجم كلسان العرب و غيره، و للبيت المذكور تتمة، و نصهما معا:
لَاهُمَّ إن كنت قبلت حُجَّتِجْ ……فلا يزال شاحج يأتيك بِجْ
أقمر نهاز ينزي و فرتِجْ
(7) - ذكرها صاحب كتاب تهذيب اللغة، و قال بعدها: ذكر هذه الأرجوزة محمد بن اسحاق في كتاب المبعث، و أن بعض العرب في الجاهلية ارتجز بها. إهـ .. و ذكرها أيضا صاحب كتاب العين (باب العين و الجيم و الثاء معهما)
(8) - معه بيت ثان، و نصهما معا:
لاهم إن العيش عيش الآخرة ……فارحم الأنصار و المهاجرة
و العن إلاهي عضلا و القارة ……هم كلفونا ثقل الحجارة
(9) - إشارة لقوله صلى الله عليه و سلم: لا عيش إلا عيش الآخرة، فأصلح الأنصار و المهاجرة. إهـ.. و في حديث آخر: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار و المهاجرة. رواهما البخاري، الأول في كتاب (مناقب الأنصار) باب دعاء النبي صلى الله عليه و سلم لا عيش إلا عيش الآخرة رقم 3708. والثاني في (كتاب المغازي) باب غزوة الخندق رقم 4011.