ثمّ قال رضي الله عنه :
فُدِيَتْ خَمْسَةُ الَّصّحِيفَةِ بِالْخَمْـ = ـةِ إِنْ كَانَ لِلْكِرَامِ فِدَاءُ
خمسة الصحيفة هُمْ سعوْا في فعْلِهم ، وكان من حديث الصحيفة أنّ قريشا لمّا عجزت عن قتله صلّى الله عليه وسلّم لمّا حماه الله بعمّه أبي طالب ولم ينالوا منه شيئا ، تداعوا يوما وقالوا : أما إذا منعت بنو هاشم من أخاهم تعالوا نكتب كتابا نتحالف فيه عند الكعبة لا نبتاع منهم شيئا ولا نبيع منهم شيئا ، ولا يسافرون معنا ولا نسافر معهم ، ولا ينكحون منّا ولا ننكح منهم . ثمّ تحالفوا على هذا عند الكعبة وكتبوا على هذا كتابا سمّوه الصحيفة وجعلوه في جوف الكعبة . فلمّا كتبوا هذا خرجت عنهم بنو المطّلب وانضافوا إلى بني هاشم ، وخرج من بني هاشم إلى قريش في هذه العداوة أبو لهب . فمكثوا على هذا الحال سنتين وجهد الحال بني هاشم . وكان الذي تحرّك في نقض الصحيفة هشام من بني عامر بن لؤيّ ، وكان محبّا في بني هاشم ، وهو ابن أخي فضلة بن هاشم لأبيه ، فجاء إلى زيد بن أبي أميّة بن المغيرة ، قولهم أخواله ، يعني هاشم ، فقال له هشام : " ويحك يا زيد أرضيت لهلاك أخوالك وساعفت قريشا على هذا ؟ فأحلف بالله أنْ لو كانوا أخوال الحكم بن هشام ثمّ دعوته إلى مثل ما دعاك ما أجابك في ذلك ولا ساعدك عليه وأنت ساعدته في أخوالك " ، قال له : " يا هشام وما أصنع أنا وحدي في قريش ، تظاهرت قريش لها هذا فما أصنع وحدي ؟ " ، قال له : " أرأيت إن وجدت رجلا من أشراف قريش قمت في نقضها ؟ "، فجاء هشام إلى المطعم بن عديّ وكان من رؤوس بني عبد مناف فكلّمه في هذا ، وقال له : " أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على هذا وساعفت وليس ساعدت قريشا على هذا بعد هذا لنجدتهم إليها منكم سراعا ؟ " ، قال له : " ويحك أنا وحدي " ، قال له : " أرأيت إن وجدت معك رجلا من أشراف قريش أتقدم في نقض الصحيفة ؟ " ، قال له : " إن وجدت معي رجلا من أشراف قريش قمت في نقضها " ، قال له : " قد وجدته " ، قال : " من هو ؟ " ، قال : " زهير بن أميّة " ، قال مطعم : " نعم أبْغِنَا ثالثا " ، ، قال له : " سأجده " . فذهب إلى أبي البحتريّ بن هاشم ، وكان من أعظم أشراف قريش لكنّه كان محبّا في بني هشام ، فذهب إليه هشام وكلّمه في ذلك ، قال له : " لو معي معينا ما تركتهم يفعلون ذلك " ، فقال له : " أرأيت لو وجدت معك رجلا يقوم نقضها أتقوم في نقضها ؟ " ، قال له : " نعم " ، قال : " قد وجدته " ، قال له : " من هو ؟ " ، قال له : " اثنان ، المطعم بن عديّ وزهير بن أميّة " ، قال له أبو البحتري : " أبْغِنَا رابعا " ، قال له : " سوف أجده "، فذهب إلى زمعة بن الأسود ، وكان من أعظم أشراف قريش ، فكلّمه في هذا ، فقال له : " لا أطيق الأمر وحدي " ، قال : " إن وجدت مُعِينا معك أتقدم له " ، قال : " نعم " ، قال له : " وجدت لك أربعة ، أبو البحتري بن هشام وزهير بن هشام وزهير بن أبي أميّة والمطعم بن عديّ " ، قال له : " نعم هذا " ، ثمّ قال : " أقدم إليهم واجعل الوعد بيننا وبينهم في الحجون ليلا " . فواعد بينهم وتوافوا بالحجون وتواثقوا على هذا ، وقال : أصبحوا في أول الصبيحة عند الكعبة ، فقال لهم زهير : " أنا أبدؤكم بالكلام وتابعوني أنتم " . فلمّا كان الصباح ، وكمل جمع قريش عند الكعبة فقام زهير فقال : " يا معشر قريش ، إنّا نأكل الطعام وننكح النساء وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم ، والله لا قمنا من هذا المجلس حتّى نشقّ هذه الصحيفة الضالّة . فقام إليه أبو الحكم بن هشام - ابن عمّه - فقال له : " كذبت " ، فقام إليه المطعم بن عديّ ، فقال : " أنت والله أكذب ، رضينا كتابتها حين كتبت ، والله لأقمنا من مقامنا هذا حتّى نشقّ هذه الصحيفة الضالّة " . فقام أبو البحتريّ بن هشام فقال : " صدقت والله وكذب من زعم غير ذلك ، والله لا قمنا حتّى نشقّ هذه الصحيفة الضالّة " . فقام زمعة بن الأسود وقال : " صدقتم والله كذب من زعم غير هذا ، والله لا قمنا حتّى نشقّ هذه الصحيفة الضالّة " . وقام هشام فقال مثل ذلك ، فلم تجد قريش بدّا من مساعفتهم ، فقال أبو الحكم بن هشام : " أمر أبرم بليل ، تشاورتم به بغير هذا المكان " ، ثم دعوا عثمان بن طلحة ، وكان في يديه مفتاح للكعبة ، فأمروه أن يأتي بالمفتاح ويفتح الكعبة ، ففتح الكعبة وأخرجها لهم ومزّقوها وقريش ينظرون ، فانحطّ عن بني هاشم ما كان عليهم من الضيق . فهؤلاء الخمسة فداهم الله بالخمسة المستهزئين . والمستهزئون الخمسة كانوا فداء من الشرّ كأصحاب الصحيفة الخمسة إن كان للكرام فداء ، فأصحاب الصحيفة كرماء فداهم الله بالخمسة المستهزئين من الشرّ .