بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما
الأخ الصالح المفلح الأرضى المرابط البركة سيدي عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن، أمدكم الله وإيانا بمعونته والتوفيق والتسديد في جميع الأمور وسلام عليكم وعلى جميع الإخوان في الله عموما، وخصوصا من تعلق بأذيالكم ووالاكم في الله ورسوله ورحمة الله وبركاته تحف جميعكم.
أما بعد، فإننا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ونسأله لنا ولكم العافية التي لا تبيد واللطف الذي لا يفارق طرفة عين على الدوام والتأبيد.
هذا وقد بلغنا كتابكم الكريم وتعرفنا فيه سلامة أحوالكم وموافقة شؤونكم فالحمد لله على ذلكم.
فاعلموا أسعدكم الله أن سبب توقف المدد عن المؤمن بالله عدم قيامه بشكر مولاه لأن مزيد النعم تسبب على الشكر فإذا حضر توفيق الله للعبد وسعادته نظر إلى نفسه فرآه غريقا في النعم التي لا تحصى، واعلم أنه أول ما يجب عليه أن يؤدي شكر ما عنده من نعم مولاه يستوجب بذلك مزيد فضله فإذا اعترف أنه لا يستحق على الله شيئا مما عنده من النعم وأولها الإيجاد من العدم ثم إمداده بالأرزاق المنهلة عليه انهلال المطر وأنه ما بات قط ولا ظل بغير قوت ولا خلي قط من أنواع الخيرات التي لا يمكنه بها حول ولا قوة، ثم جعله سميعا، ثم جعله بصيرا، ثم جعله عاقلا، ثم جعله سوي الصورة، ثم جعله مؤمنا غير مجوسي ولا يهودي ولا نصراني، ثم جعله كذا، ثم جعله كذا إلى ما لو فنى عمره وهو يعدد آلاء الله عليه ما قدر على إحصائها مع علمه يقينا أن الله تعالى لو شاء لجعله بأضداد ذلك غير ظالم له، فإذا اعترف الإنسان بهذا القدر فذلك هو الشكر، ودليل صدقه في ذلك أن لا تتشوف نفسه لغير ما هو فيه لأنه يرى ذلك كثيرا في حقه لا يستحق أدنى شيء منه، فإذا علم الله منه ذلك الصدق فلا تسأل عما يزيده وما يفيض عليه من الأرْزاق الظاهرة والباطنة.
والذي يعين على هذا الشكر هو النظر إلى من هو دون الإنسان وعدم الالتفات لمن فوقه وجل الناس مغبون في هذا المقام، وهو والعياذ بالله سبب الحرمان الذي نحن فيه، نسْأل الله العافية بمنه وكرمه.
واعلم أيها الأخ أن من عبد الله لغرض دنيوي أو أخروي ما عبده وإنما عبد نفسه وهواه فاجعلوا عمدة أمركم في إخلاص العبادة لله يكفيكم القليل منها، ويكفي في الإخلاص أن تكون العبادة لمجرد امتثال أمر الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبا لرضا الله تعالى بامتثال أمره لا غير، وإياكم وملاحظة أنفسكم في شيء من الأفعال فإنه لا فاعل إلا الله، فمن رأى نفسه مصليا أو صائما أو قائما أو ذاكرا أو مؤمنا فما صلى ولا صام ولا قام ولا ذكر ولا آمن، وفي هذا المقام قال أبو عبد الله بن عباد رحمه الله نَفَس أكبر كنَفَس فرعون ذوي الأوتاد. إهـ تنبهوا لمكائد الشيطان أعاننا الله وإياكم وأخلص لنا ولكم الوجهة إليه بجاه مولانا محمد صلى الله عليه وسلم آمين.
وما ذكرتم من شأن جواهر المعاني فإننا مهتمون بذلك أكثر منكم ونحن جادون في تيسير النسخة وتوجيهها إليكم، يسّر الله ذلك بفضله قريبا.
وما ذكرتم من القراءة مع دخول النفس ما تصورناه وإنما نفهم ذلك مع خروج النفس لأن الحروف إنما تظهر بتقطيع الهاة للنفس الخارج من الفم ولا ظهور لها في النفس الداخل لأن دخول النفس محله الأنف والحروف محلها الفم، وإذا أردتم غير ذلك فما فهمناه.
وما ذكرتم من المسبوق في الوظيفة فإنه يذكر معهم ما أدركه ويقضي ما فاته منها.
وما ذكرتم من تلاوة الورد وغيره من الأوراد من غير مبالاة ولا حضور، أما عدم المبالاة فذلك شأن المخذولين الأخسرين أعمالا والعياذ بالله، وأما عدم الحضور فلا يحصل أول مرة لكل أحد ولا في كل وقت فيجب على الإنسان أن يتكلف ذلك حتى يصير ملكة له ويحصل بلا تكلف وأقل ذلك أن يستقبل الذاكر القبلة ويترك الكلام إلا لضرورة ولو في وقت الورد خاصة وإذا تكلم أو فصل الذكر بغيره لغير ضرورة فلا يفسد الورد ولا يبطل العمل، ولكن شتان بين الحالتين.
وأما ما ذكرت من طلب الدعاء من الغير أي غير الأولياء فلا يضر ولا يقطع.
وأما ما ذكرت من مخالفة المقدم الملقن فلا يقطع ولكن حرمته واجبة لأنه في مقام الخلافة عن الشيخ، والمخالفة التي لا تضر في المخالفة في الأمور الدنيوية وأما ما يتعلق بالطريق وثبت عن الشيخ فإنها تضر.
وأما ما ذكرت من النظر في كتاب الغير بلا إذنه فإنه حرام لا يحل ولو كان بينهما الأخوة الأكيدة والقرابة البالغة الشديدة.
وأما ما ذكرت من رؤيا سيد الوجود وعلم الشهود صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل السعيد فاعلم أن كل من رآه عليه الصلاة والسلام من المؤمنين فقد تحققت سعادته في الدنيا والآخرة.
ليته خصني برؤية وجه = زال عن كل من رآه الشقاء
ويكفي ذلك الرائي من رؤياه الذي ذكرت قوله صلى الله عليه وسلم له إيمانك قليل حيث أثبت له الإيمان وشهد له به، فإن أقل جزء من الإيمان أعظم من السموات والأرض، فهنيئا للرائي ثم هنيئا وكان الرائي فيه حرص على الدنيا وعدم الرضى بالمقدر وعدم الثقة بقسمة القاسم العدل سبحانه.
وأما ما ذكرت من الحيلة في التوصل إلى محبة الشيخ، فاعلم أن ذلك لا تنفع فيه الحيل، ولكن علامته شدة الاتباع وعدم المخالفة في الأقوال والأفعال وفقنا الله لذلك وإياكم بمنه وكرمه.
وأما ما ذكرت من الزيادة في المسبعات وغيرها سهوا فاعلم أن الزيادة سهوا في الذكر على العدد المحدود لا تضر لأن العدد قد حصل وإنما يضر النقصان لأن العدد المقصود لم يحصل ولكن لا ينبغي للإنسان أن يقول الزيادة لا تضر ويرسل نفسه في الذكر بلا عنان فإنه إذا فعل ذلك بطل عمله ولكن المطلوب أن يفعل جهده ويحضر باله على قدر الطاقة وما وراء ذلك هو الذي يغفر له.
وأما ما ذكرت في كتاب الأخ سيدي سعيد من التربيع. إلخ .. فاعلم أيها السيد الفاضل أن من خصه الله بمثل السعادة التي خصك بها وألبسه بملابس العز التي ألبسك وإقامة مقام التقدم لنصح المؤمنين ودلالتهم على طريق رشدهم وهدايتهم يتحاشى أن يذكر مثل هذه الأمور التي يتفاني عليها الطلبة وإلا فأريد الذين يلعب بهم الشيطان فهذا والله من سقوط الهمة وكيف يمكن أن يجمع بين الاتكال على الله والرضا بقسمته مع هذا الأمر الدنيء الخسيس الذي هو أدنى درجة الأسباب الواهية التي لا حقيقة لها ولا أفلح قط من اعتقد صحتها فضلا عن متعاطيها فاتهم نفسك أيها الأخ في الله وصحح اعتقادك وارفع همتك ولا تعد للتحدث بمثل هذا وأرح نفسك من أمثال هذه الأوهام التي يثمرها الطمع، فإن هذا ليس مقام أمثالك الذين يرجون المراتب العالية عند الله تعالى، فإن ذلك لا يدرك إلا بالرضا بالقسمة السابقة وإخلاص الوجهة، وتذكر البيت الأخير من لامية العجم وهو:
قد رشحوك لأمر لو فطنت له = فاربأ بنفسك أن تردى مع الهمل
إهـ
هذا ما وجب على أخيكم من المناصحة في الله وإن كان هو أحوج إلى ذلك منكم ولكن ربما صدرت الحكمة من غير أهلها فاجن الثمار وما عليك في العود، جبر الله بمنه صدعنا وجعل فيه وعليه جمعنا. آمين والسلام. من العبد الضعيف محمد بن أحمد لطف الله به.