أنجبت بلادنا على طول مسيرتها الموفقة رجالات عديدة من مشاهير رجال العالم الإسلامي الكبير، ممن تركوا بصمات جليلة على ساحة العطاء والإبداع.
وعلى ممر التاريخ كان المغرب ولازال بلدا معطاء، غنيا برجاله، كبيرا بإنجازاته ، قويا باستحقاقاته ، ولم تقتصر هذه العطاءات على ميدان دون آخر ، بل عمت جميع مرافق الحياة المتنوعة ، مؤكدة نبوغ الرجل المغربي وإخلاصه لمحيطه الخاص والعام ، مع تشبثه الكبير بروح الأخلاق والقيم الحميدة الفاضلة، متماشيا في هذا كله مع هدي دينه الإسلامي الحنيف .
وفي مقدمة هؤلاء العلماء الفقيه الأديب المؤرخ الوزير أبو عبد الله سيدي محمد بن احمد أكنسوس الجعفري المراكشي ، وهو أحد الأعلام اللذين ابلوا البلاء الحسن في تطوير وازدهار الساحة العلمية بالمغرب خلال القرن الثالث عشر الهجري.وقد ساعده على ذلك ما كان يتمتع به من سمعة طيبة ومكانة مرموقة بين الناس ، وقد وقفت في الموضوع على بعض رسائله المبعوثة لبعض المدارس والزوايا العلمية بالمنطقة الجنوبية ، وبغيته من هذه الرسائل إذكاء روح المنافسة الشريفة بين الطلبة ، وشحنهم بالنصائح والفوائد المعينة على هذا القصد النبيل ، مع تحفيزهم لذلك وتحميسهم عليه بشتى الوسائل التربوية المحمودة ، وذلك لأنه كان يرى أن السبيل الوحيد للتقدم والترقي لا يمكن أن يتأتى لأحد إلا بالانكباب على العلم والمواضبة عليه ، وبناء على هذا كان رحمه الله نبراسا لعلماء عصره يستنيرون بتوجيهاته الناجعة، ويغترفون من زلال مورده الفياض .
وبالإضافة لمساهماته الكبيرة في المجال العلمي فله رحمه الله دور كبير في الحياة الصوفية بالمغرب ، وإنجازاته في هذا الجانب كثيرة ، والى حد يومنا هذا لازالت عطاءاته فيه محل إقبال متزايد من خاصة الناس وعامتهم ، ويمتاز تصوفه رحمه الله بالدقة والتحقيق وتقريب المعنى ، واختيار اللفظ المناسب ، وساعده على ذلك طول باعه في العلوم الشرعية ، مع تمكنه التام بالقواعد والمصطلحات والضوابط الصوفية .
والى جانب هذا له رحمه الله في ميدان الأدب الريادة الكبرى شعرا ونثرا ، ويرجع ذلك لإحاطته المحكمة بعلوم لغة الضاد ، من بلاغة ونحو وتصريف واع راب وعروض ، ويتميز شعره بالجمالية والحركة ، ونثره بالتنسيق والدقة. وهو مؤرخ الدولة العلوية الشريفة ، والعارف بأخبارها وشؤونها المنيفة ، وقد ألف في ذلك كتابه : الجيش العرمرم الخماسي في دولة أولاد مولانا علي السجلماسي ، ويعد هذا المؤلف واحدا من أهم أدق مراجع تاريخ المملكة المغربية خلال القرون الأربع الأخيرة .