إن كان لكل محترف أداة يتداول بها حرفته، ولكل مهني بلغة يتناول بها مهمته، فللعالم هو الآخر وسائل يبلغ بها القمة في العطاء، والمكانة في الاستزادة والسمو، ألا وهي مكتبته العلمية، التي هي مطيته إلى ذروة الجلال والجمال، وبها يبلغ نحو ما يرتجيه من آمال، ولئن سألت عالما أو متعلما عن أثمن شيء يملكه وأحسن ما يقتنيه ليجيبك دون تردد بأنه الكتاب، الذي هو رفيق دربه. وأنيس وحشته، فتراه يبذل في سبيل اقتنائه غالي الأثمان، لا يهمه من ذلك سوى أن يحظى بمكتبة يعبق طيبها، ويفوح أريجها، وتظم بين جنباتها أنفس المراجع والمصادر المختلفة.
وقد كان العلامة المؤرخ سيدي محمد (فتحا) سكيرج على هذا النمط والطراز، فقد ضمت مكتبته أمهات الكتب والمخطوطات والتقاييد والوثائق والمجلدات الضخام، التي هي ثروة في مواضيعها، ونافدة جليلة تطل على الدنيا فتكسوها معرفة وعلما ونباهة وجمالا، فإن رأيت خزانة كتبه حسبت من أول وهلة أنها لحجة الله الإمام الغزالي، أو للحافظ جلال الدين السيوطي، أو لسيبويه، أو لابن مالك النحوي، أو لغيرهم من كبار العلماء والرواد الآخرين.
ومهما يكن من أمر فإن هذه المكتبة لم تخلو من كتب التفاسير والحديث والعقيدة والفقه والسيرة والأدب والتاريخ واللغة والشعر، وما إلى ذلك من الموسوعات النفيسة التي قلما توجد في مكان آخر.
والمعروف عن الكتاب أنه يزداد رونقا في جماله إذا تمت صيانته والمحافظة عليه، فإذا تصفحه المطالع وقرأ فيه يداعبه بين يديه بعناية، ويقلب صفحاته ويفتحها بتأن ورعاية، فيظل مصانا على روعته وزهاوته، نظيفا في أتم نقاوته، وما هذه الألفاظ سوى صورة حية لمكتبة مترجمنا العلامة سيدي محمد (فتحا) سكيرج، فإن أمسكت كتابا منها تجده وكأنه حديث العهد بالطباعة، لم تؤثر عليه أيادي القراء، ولم يبليه الزمان، ولا أصابته الأرضة أو عبث فيه عابث.