بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على إفضاله، وصلى الله على سيدنا محمد وأله.
أما بعد، فإني أيها السادة الذين ارتقوا من الترقي مراقي المجادة أعد نفسي معكم سعيدا بما ساقني إليه سائق التوفيق للحضور بناديكم الرفيع الذي ازدهر بكم، وشملت العناية الجميع، ولم يكن بحسباني أن أتجرأ على إلقاء كلمتي بين يديكم، مع أن المعارف الكافية لديكم، ولكن لحسن ظن من اقترحها علي أجبته إجابة راغب في جبر الخواطر، وإن كان في غنى عما لدي، وقد انشرح صدري بما شاهدته من إقبال الشبيبة الجزائرية على فنون الأدب وأهله، وانعطافهم نحو محبيهم بقلب وقالب، خصوصا من تقرب إليهم بأدنى سبب، أو كان من ذوي الفضل والنسب، فهم له محبون، وبالإحسان إليه مغبوطون، وذلك من كمال فضلهم، ولا يعرف الفضل لذي الفضل إلا ذووه.
ساداتي : إني قد كنت عزمت على التنصل من إلقاء خطابي في مجمعكم الذي أخذ فيه مني الدهش حظه، بما أتلوه من سطور الذكاء الذي تشعشعت أنواره فيكم، ولاحت على أسرة وجوه الحاضرين منكم بما ينبئ عن معلوماتكم التي تستوجب إطراق مثلي برأسه أمامكم خجلا، فإن منكم الأساتذة الأعلام، ومنكم النوابغ الذين لهم في مراقي المعارف والعلوم نشرت الأعلام، ولكن لاعتمادي على ما لديكم من سلامة الصدور سأعرض عليكم من بضاعتي المزجاة ما أعده من السوانح التي لم أستعد لصيدها، فجاءت عفوا من غير تأنق في الخطاب، فإن صادفت عندكم قبولا فهو غاية المقصود، وإلا فلتعدوها من سقط المتاع.
واعذروني لقد حيرني المقترح علي في إلقاء هذه المسامرة حين خيرني في الموضوع الذي أطرق بابه، في هذا الموضع ليوافق مشربكم الذي استحلي شرابه، وقد تواردت الأوهام علي وصرت في حيرتي على حد ما قيل، وهي حقيقة تتنزل علي :
تكاثرت الضباء على خداش…فما يدري خداش ما يصيد
ثم سنح لي أن أدير عليكم كأسي في محادثتكم عن مسقط رأسي، فإن نفس كل شخص ميالة بالطبع إلى وطنه، وحب الوطن من الإيمان.
كم منزل في الأرض يألفه الفتى…وحنينه أبدا لأول منزل