aplatkaki
المكتبة السكيرجية التجانية--> مؤلفات العلامة سيدي أحمد بن الحاج العياشي سكيرج رضي الله عنه--> كتاب: مسامرة نيل الأرب في أدب العرب --> مسامرة نيل الأرب في أدب العرب
Copyright © Cheikh-skiredj.com tous droits réservés

بحث متقدم
الكتب التي يتم البحث فيها
مؤلفات تجانية بلغات أجنبية
شراء الكتب
مسامرة نيل الأرب في أدب العرب
للعلامة الحاج أحمد سكيرج

تحقيق ذ. محمد الراضي كنون

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم

أيها السادة المحترمون :
إني أقدم بين يدي خطابي معذرة لحضرتكم فيما خطا بي قدمي في هذا البساط الذي سيبسط بين يديكم في هذا المقام، لا على أني ذلك الخطيب الذي يستحق أن يخطب في مجمع حضر فيه أمثالكم، ولكن إجابة مني لسيادة مندوب الصدارة في المعارف، المبجل العلامة سيدي محمد الحجوي(1)، الذي أكد علي باقتراحه في إلقاء كلمة في هذا النادي الأرفع، موضوعها : أدب العرب والإشارة إلى تقلب أطواره في التقدم والتأخر من عهد العرب إلى الزمن الحاضر.

وهذا الموضوع له أهمية كبرى في فتح أعين أبناء الوقت لمشاهدة مآثر العرب، في أشعارهم التي تشهد لهم بالتقدم في المعارف زمن الجاهلية، وقد تنافس الأجانب في إدراك تلك العلوم المستنبطة من كلامهم نظما ونثرا، مع العلوم التي كانوا عارفين بها، فأضافوا ذلك إلى معلوماتهم، ونحن في غفلة عن ذلك، ولا نحتفل بما هنالك.

غير أنه لما كان التاريخ كما قيل يعيد نفسه، فلا بدع إذا انتهض في هذه الإيالة الشريفة لإحياء تلك المعارف والتحصيل عليها بكمال الإعتناء بأبناء الوقت الحاضر الذين هم أبناء المستقبل، بما تبثه في صدورهم الأساتذة الذين انتخبتهم رجال الدولة بتعليمهم في المدارس التي شيدت تحت ظل عرش الحضرة اليوسفية أدام الله عزها، مع مد ساعد المساعدة في ذلك بالأخذ بيد النهضة العلمية، بالنسج على الطراز الجديد الذي يرجى به التقدم للتلامذة إلى تحصيل ما ينفعهم في العاجل والآجل، من غير تضييع جل الأوقات في لا طائل، أو تحصيل بعض المسائل هي بالنسبة لما صرف فيها من ثمين العمر ما يتعجب منه العاقل، فإن تنظيم طرق التعليم قاضية بنجاح المتعلم في أقرب وقت لما أودعه الحق تعالى في قابلية الإنسان من قبوله للتعليم، بعد أن أوجده من العدم ذا جهل بسيط.

ولا يعزب عن علم جل الجلة أن الله تعالى خلق الإنسان ذلك الجسم الصغير المنطوي فيه سر العالم الكبير، ذلك البشر الذي خلق في أقوم الصور وأحسن تقويم، فأنار سبحانه هيكله الجثماني بنور العقل، وكمل محاسنه بما ألهمه من حسن الأدب الذي هو عنوان على الفضل، وبه يرتقي كل فرد من النوع الإنساني في مراقي التبجيل، على قدر ما لديه من تلك المحاسن التي كملت بالأدب والعقل، وبدونهما ينحط من أعلى الرتب إلى أسفل، وقد قيل :

ما وهب الله لامرئ هبة…أفضل من عقله ومن أدبه
هما جمال الفتى فإن فقدا…ففقده للحياة أليق به

فأما العقل فهو يقود صاحبه إلى ما يراه حسنا، فلا يسلك من الطرق إلا ما يرى فيه سلامته، حسب نظره بقدر ما منح من قوة النور وضعفه، حتى يحصل على ما قدر له بالسابقة من سعادة أو شقاوة.

وأما الأدب فهو بحسب الوهب بإرث كان أو بكسب اسم جامع للمحاسن الدنيوية والدينية، ويطلق بإزاء معان، فيطلق على الاتصاف بمكارم الأخلاق، وكل ما يرجع إلى الكمال البشري بتهذيب نفساني، أو تأديب رباني، وللنبي الأمي سيدنا ومولانا محمد عليه السلام كمال الظهور في هذا المظهر، حتى قال فيما ورد عنه عليه السلام "أدبني ربي فأحسن تأديبي"(2) ولمن اقتدى به الحظ الأوفر من هذا الأدب، ويطلق أيضا على حسن المعاشرة وجميل المخالطة بصدق ووفاء، مع اجتناب ما ينفر النفوس في الشدة والرخاء، مع مداراة تامة عند الإحتياج إليها في جبر الخواطر بتحمل الأذى ونحو ذلك، وهو بهذا الإطلاق قد يكون مندرجا فيما قبله، ويطلق أيضا على نهوض النفس إلى إحراز الفضائل، باجتناب الرذائل، والحصول على المحامد التي يغبط الشخص فيها، من علوم ومعارف يحق بها الفخر بنفسه وإن لم يفتخر، ومن كمال أدبه عدم الإفتخار، ولقد أجاد من قال فيه :

كن ابن من شئت واكتسب أدبا…يغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنا ذا…ليس الفتى من يقول كان أبي

وقال آخر :
مالي عقلي وهمتي حسبي…ما أنا مولى ولا أنا عربي
إذا انتمى منتم إلى أحد…فإنني منتم إلى أدبي

ويطلق بإزاء معان أخرى، أخص بالذكر منها علوم الأدب التي هي علوم العرب المجموعة في قول الشيخ حسن العطار(3) :

نحو وصرف عروض بعده لغة…ثم اشتقاق قريض الشعر إنشاء
كذا المعاني بيان الخط قافية…تاريخ هذا لعلم العرب إحصاء

وبعضهم زاد فيها ونقص منها بحسب ما ظهر له فقال :
لغة وصرف واشتقاق نحوها…علم المعاني والبيان بديع
وعروض قافية وإنشاء نظمها…بكتابة التاريخ ليس يضيع

ولكل علم من هذه العلوم حد محدود وقواعد يرجع في تحقيقه إليها، ومن حصل عليها فقد حصل على علم الأدب في الإصطلاح العرفي، على أن جل هذه العلوم العربية في نظر الأدباء مستنبط من كلام العرب نظما ونثرا، ولم يكن للعرب إلمام بتلك القواعد المضبوطة بالإستنباط، وإنما ذلك من أحوال كلامهم السليقي الذي جبلوا عليه، بحيث لا يمكنهم أن ينطقوا بغيره سهوا، وربما لا يساعدهم النطق بتعمد الخطأ فيه، وبمثل هذا استدل سيبويه على الكسائي(4) في المناظرة التي وقعت بينهما، حين زعم الكسائي أن العرب تقول "كنت أظن الزنبور أشد لسعا من العقرب فإذا هو إياها" فقال سيبويه ليس المثل كذلك "بل فإذا هو هي" واتفقا بحضرة الأمين بن هارون الرشيد على مراجعة عربي خالص لا يشوب كلامه شيء من كلام أهل الحضر، فحضر عربي طبق الإتفاق، وعرضت عليه المسألة، فوافق الكسائي بإيعاز من الأمين، لكونه شيخه، فقال سيبويه مره لينطق بذلك فإن لسانه لا يساعده، فلم يفعل الأمين مع أن الحق مع سيبويه، ولاشك أن النطق يعسر عند التلفظ بما لم يكن الناطق معتادا له، إلا عن تعمد، ومع التعمد قد لا يساعد على ذلك، ومثاله في النطق بالهمزة بدل الكاف أو القاف، فمن لا يحسن التلفظ بهما فلابد أن يقول مثلا في القط الإط بالهمزة، وفي القلب والكلب الألب، ونحو ذلك إلا بعد ممارسة، فكذلك العرب في نطقهم فلا يخرجون عنه إلا بعد مخالطة الغير بمخاطبتهم مدة، ومع ذلك فلا يحتاجون في ذلك إلى مراعاة القواعد التي استنبطت من كلامهم، إلا في حق من داخلته العجمة فتعلم بعد ذلك تلك القواعد، فيعد نحويا لا عربيا سليقيا.

ولذلك افتخر أبو الأسود الدؤلي(5) بلهجته فقال :

ولست بنحوي يلوك لسانه…ولكن سليقي أقول فأعرب

لأن السليقة حاكمة بانطباعها في الطباع، فلا خروج لكل قبيل عن لهجته إلا بعد الممازجة والممارسة، فيدخل بذلك في طور آخر كما هو المعتاد في القبائل والمدن في اللغة الدارجة، فإن اللهجة مختلفة يشعر بذلك كل واحد عند نطق مخاطبه، فيستدل بذلك على قبيلته التي نشأ فيها، فالألفاظ في نفسها تدل على جنسية اللافظ بها، ولهذا سهل تدوين اللغة العربية على من رامه من غير أهل تلك اللغة بتلقيها عن أهلها، فكان بذلك لمؤلفيها من علماء العجم والفرس وغيرهم اليد البيضاء في تدوين اللغة العربية، وقل من فرق بين ألفاظ القبائل، لصعوبة ذلك عليهم، وسهولته على العربي لما لديه من الملكة في لغته، بالتفرقة بين اللغات المختلفة، وجزمه القاطع بتعداد الألفاظ الدخيلة من لغات الأجانب في لغته لحنا وإعرابا، مع مراعاة الحقيقي والمجازي وضعا.

ولهذا لما تحقق أبو الأسود الدؤلي بلحن ابنته حين قالت في التعجب "ما أشد الحر" بصيغة الإستفهام، وأجابها على مقتضى استفهامها بقوله "الرمضاء وقت الهاجرة" فقالت لست أستفهمك وإنما أنا أتعجب من شدة الحر، قال لها "قولي ما أشد الحر وافتحي فاك" وجاء إلى الخليفة سيدنا علي كرم الله وجهه وأخبره بقصته مع ابنته وهو في تحسر كبير بمداخلة العجمة في كلام العرب، وطلب منه أن ينظر فيما يحوط به هذه اللغة، فقال له "الكلم اسم وفعل وحرف وانح على هذا النحو" فسمي بذلك النحو نحوا. وزيد في أبوابه بتتبع أحوال الكلام، ومراعاة حال الدخيل في اللغة مع الأصيل، حتى صار مضبوطا بقواعده التي لا يمكن مع مراعاتها اللحن، وهكذا وقع استنباط قواعد غير النحو من العلوم المتقدمة من تصريف واشتقاق مع باقيها، فإن العرب لم يتعلموا فيها قواعد، وإنما ذلك فيهم خلق طبيعي طبق ما أشرنا إليه، إلا ما كان من علم الخط وعلم التاريخ فهما من العلوم التي تقررت بالتعلم، مثل العلوم التي كان لهم بها اعتناء وأشاروا في أشعارهم إليها، ولم يظهر علم الكتابة بين خواص العرب إلا عن أمد غير بعيد قبل ظهور سيد الأميين عليه السلام.
__________
(1) محمد بن الحسن بن العربي بن محمد الحجوي الثعالبي أصلا الفاسي دارا ومنشأ، ولد بفاس عام 1291هـ فحفظ القرآن الكريم على الشيخين الجليلين سيدي محمد بن عمر بن سودة، وسيدي محمد بن الفقيه الورياجلي، ثم اشتغل بطلب العلم بالقرويين منذ عام 1307هـ،، ومن شيوخه الذين أخذ عنهم العلامة سيدي محمد بن التهامي الوزاني، والعلامة سيدي محمد فتحا بن قاسم القادري، والعلامة سيدي محمد بن محمد بن عبد السلام كنون، والعلامة سيدي عبد ا لسلام الهواري، والعلامة سيدي أحمد بن الجيلاني الفيلالي الأمغاري، والعلامة سيدي أحمد بن الخياط، والعلامة مولاي عبد المالك الضرير العلوي وغيرهم، وبعد تخرجه زاول التدريس بجامعة القرويين، ثم بعد ذلك أسندت إليه سفارة المغرب بالجزائر على مدى سنتين ابتداء من عام 1321هـ، ثم عين وزيرا للعدل، وبعدها وزيرا للمعارف الإسلامية في عهد الحماية الفرنسية بالمغرب، وكانت وفاته بالرباط سنة 1376هـ-1956م، ونقل لفاس حيث دفن ببعض مساجدها، وله رحمه الله تآليف كثيرة منها : الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، والبرهان في الفرق بين الألوهية والنبوة، والمحاضرة الرباطية في إصلاح تعليم الفتيات في الديار المغربية، والصورة الجمالية في تاريخ إفريقيا الشمالية، وإتحاف الزائر بمشاهدة أرض الجزائر، والرحلة الأوروبية فيما شاهدته بأراضي فرنسا وأنكلترا من التقدمات العصرية، ومستقبل تجارة المغرب، والتعاضد المتين بين العقل والعلم والدين، وغير ذلك من التآليف الأخرى. أنظر ترجمته في رياض السلوان للعلامة سكيرج ص 146 وفي الأعلام للزركلي ج 6 ص 96. وفي العز والصولة لعبد الرحمان بن زيدان ج 2 ص 53. وفي مقدمة كتابه الفكر السامي ج 1 ص 9-23.
(2) ذكره الحافظ السيوطي في الجامع الصغير وعزاه فيه لابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود. ج 1 ص 14.
(3) حسن بن محمد بن محمود العطار، فقيه، أديب، فلكي، أصله من المغرب، ولد بالقاهرة عام 1190هـ، وبها توفي عام 1250هـ، وكان أبوه عطارا، فتبع أباه في تجارته أول الأمر، ثم انصرف إلى الأدب والعلم، تولى إنشاء جريدة الوقائع المصرية في بدء صدورها، ثم عين شيخا لعلماء الأزهر خلال الأربع سنوات الأخيرة من عمره، ومن مصنفاته : رسالة في كيفية العمل بالأسطرلاب والربعين المقنطر والمجيب والبسائط، وديوان شعر، وتأليف في فن الإنشاء والمراسلات، وغير ذلك من التآليف الأخرى. أنظر ترجمته في الخطط التوفيقية لمبارك ج 5 ص 38، وفي الأعلام للزركلي ج 2 ص 220، وخصصه الشاعر محمد عبد الغني حسن بتأليف سماه : حسن العطار.
(4) علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي الكوفي الكسائي، إمام في اللغة والنحو والقراءة، وهو أحد القراء السبعة المعتمدين في القراءة، قيل له الكسائي لأنه أحرم في كساء، من مصنفاته : القراءات، والحروف، والمصادر، ومعاني القرآن، والنوادر، ومختصر في النحو، والمتشابه في القرآن، وما يلحن فيه العوام، توفي رحمه الله (برنبوية) قرية من قرى الري لما كان متوجها لبلاد خرسان صحبة الخليفة هارون الرشيد عام 189هـ. أنظر ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان ج 1 ص 330، وفي غاية النهاية لابن الجزري ج1 ص 535، وفي نزهة الألباء للأنباري ص 81-94، وفي تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 11 ص 403، وفي طبقات النحويين واللغويين للزبيدي ص 138، وفي إنباه الرواة للقفطي ج 2 ص 256، وفي الأعلام للزركلي ج 4 ص 283 وفي الفكر السامي للحجوي ج 1 ص 391 رقم الترجمة 128.
(5) ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل، المعروف بأبي الأسود الدؤلي، واضع علم النحو، ولاه الإمام علي كرم الله وجهه على البصرة، وبها توفي عام 69هـ، وهو أول من عمل على تنقيط المصحف الكريم، لتسهيل قراءته على عامة الناس، أنظر ترجمته في الإصابة لابن حجر العسقلاني رقم الترجمة 4322، وفي وفيات الأعيان لابن خلكان ج 1 ص 240، وفي إنباه الرواة للقفطي ج 1 ص 314، وفي الأعلام للزركلي ج 3 ص 237، وفي الفكر السامي للحجوي ج 1 ص 389 رقم الترجمة 124.

moussamara-naylarab
 


الصفحة التالية

1• مسامرة نيل الأرب في أدب العرب

2• علم العروض

3• الفنون السبعة

4• علم القرض

5• علم القوافي

6• علم الإنشاء

7• علم الخط

8• علم اللغة

9• علم التصريف

10• علم الاشتقاق

11• علم البيان

12• علم المعاني

13• علم البديع

14• علم التجويد

15• علم الوضع

16• علم التاريخ

17• علم المحاضرات

18• علم الأنساب

19• علم الطب

20• علم التشريح

21• علم البيطرة

22• علم الزردقة

23• علم الفراسة

24• علم القيافة

25• علم العيافة

26• علم الريافة

27• علم التنجيم

28• علم الإختلاج

29• علم تعبير الرؤيا

30• علم الحساب

31• وفي الختام

32• تقريظ المسامرة

   
   
   
   المكتبة السكيرجية التجانية: Bibliotheque tidjani Bookmark and Share
| الواجهة الرئيسية للموقع | version française du site | المكتبة السكيرجية التجانية | اقتناء الكتب | Contact للاتصال | 9 Languages

       أنجز بحمد الله و حسن عونه العميم، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، نسأله سبحانه أن يجعل إجازته القبول . و النظر في وجه الرسول. عليه أتم صلاة و سلام. و على آله و أصحابه الكرام. ما بقي للدوام دوام