ثم إن صاحبة السوار اقترحت على الأمير بتكليف الأمين بتجديد السوار الثاني، فأمره بذلك فبحث الأمين عن سيدي عبد الوهاب البغدادي فلم يجده، وكان سيدي عبد الوهاب البغدادي قد اشترى بتلك الأجرة لباسا يناسب زي العلماء، واغتسل بالحمام، ودخل للمسجد فانكب عليه العلماء، ولما طال بحث الأمين عليه وجده بالمسجد والعلماء محيطون به، فكبر في عينيه ولم يتجاسر على مفاوضته، فعلم عبد الوهاب البغدادي أنه في حيرة، فأشار إليه، ثم أخبره بما وقع، فجبر خاطره وذهب معه إلى محله، وعمل له عملية الثاني، وكتب في دائرته :
مصائب الدهر كفي……إن لم تكفي فعفي
خرجت أطلب رزقا……وجدته قد توفي
ودفعه له، فكان ذلك سبب تعرف الأمير به واشتهار أمره.
ولقد كانت همم طلبة العلم عالية عن تعاطي سفاسف الأمور بما يحصلونه من العلوم أو يطلبونها، ويأنفون من أن يقرؤا علما منها لنيل وظيف من الوظائف الشرعية فضلا عن غيرها، فاستحالت صهباء نخوة العلم لسكرة حب التوظيفات المخزنية، مما كاد أن يصير به طلبة العلم لا قصد لهم سوى الإنخراط في سلك الموظفين والمستخدمين بطلب العلم، مما يتشوقون لتحصيله بفتح آذان لسماع فراغ أي منصب بانتقال الموظف فيه بموت ونحوه، فتتقاطر مكاتب طلب التوظيف فيه على الإدارة التي رأت من المصلحة إلزام الطلاب للمبارة فيه، وليس من المتعين على المخزن الشريف توظيف جميع طلبة العلم مما زاحمهم فيه أيضا غيرهم، بما استلفت الأنظار إلى تمكن حب الوظيف ولو بأقل مرتب :
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم……ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا……محياه بالأطماع حتى تجهما