وقد فتح جل من تكلم في فضل العلم والعلماء من قديم وحديث أبوابا يعسر سدها، ويكاد أن تعدّ مباحة لدخول من يريد إطلاق اللسان في جانب العالم الغير العامل بما قالوه وتقوّلوه، من أن جميع ما ورد في فضل العلم والعلماء إنما هو في حق العاملين بمقتضاه، فلا يليق بعالم ناصح أن يحط من قدر العلم وحامليه بمثل ذلك بين العوام، ولا يحل لجاهل إطلاق لسانه في علماء وقته، وإن لم يعملوا بما هنالك مثل خيرة الأعلام.
وقد فات من لاحظ حق العلم من حيثية ما اقتضاه من العمل إعطاء منصف العلم حقه للمتصف به، وإن لم يعمل به، ولو مع الكسل، فوجد الجهال بذلك مجالا لإطلاق الألسنة في عالم زاحمهم في أمور دنياهم، ونظر جلهم إلى ذوي العلم من المعاصرين لهم شزرا، وقالوا بسوء الظن: لم يبق إلا علماء الدنيا، وذهب علماء الأخرى، اعتمادا على ما يسمعونه من أن العلم لا فضل لحامليه إلا مع العمل، وهو حجة على غير العاملين، فحملهم هذا ومثله على مفاسد وخيمة الموقع، أدت إلى سقوط حرمة العلماء بذلك من عيون العامة ومن شاكلهم، وسقط بذلك منصب العلم باتهام حامليه بكونهم غير عاملين، وما علموا أن من جملة العمل بالعلم صرف نفيس الأنفاس في طلبه، وكونه محفوظا بوجودهم. فالعالم وإن لم يعمل به، فقد يأخذ عنه من يعمل به، فيكون منتفعا به(1) ، لا عدمنا حملة العلم. وقد يعد مثل ذلك عائقا كبيرا عن تعاطيه، لكونه إنما ينتفع به في هذا الزعم من عمل به، و العمل به غير متحقق، فيعرض عنه المحرومون، وذلك مقصود الشيطان ليراهم هو وقبيله في ظلام الجهل يعمهون، وذلك هو الضلال المبين. فاتضح لكم بهذا كون العلم على كل حال أفضل من الجهل، ولو بلا عمل به، ولذلك قلت مخاطبا لمن ألقى سمعه، والله يعلم أنني ما قصدت إلا نفعه:
__________
(1) وردت في هذا الصدد أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه و سلم: من عَلَّمَ عبدا آية من كتاب الله فهو مولاه لا ينبغي أن يخذله و لا يستأثر عليه. إهـ.. مجمع الزوائد للهيثمي (كتاب العلم) باب في معرفة حق العالم 1: 339 رقم 535. و منه أيضا قوله صلى الله عليه و سلم: و قروا من تعلمون منه العلم، ووقروا من تعلمونه العلم. إهـ.. جامع الأحاديث و المراسيل (حرف الواو مع القاف) 8: 103 رقم 24693. الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير (حرف الواو) 3: 302 رقم 13170. و من ذلك أيضا قول الإمام الشافعي رحمه الله: من علمني حرفا صرت له عبدا. إهـ و من أبدع ما جاء في النطاق قول أمير الشعراء أحمد شوقي:
قم للمعلم وَفِّهِ التبجيلا ……كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرفَ أو أجلَّ من الذي ……يبني و ينشئ أنفسا و عقولا