تعدد مضامين هذه الرحلة
نحا العلامة سكيرج رحمه الله في هذه الرحلة مضامين مختلفة، منها المضمون الجغرافي الذي نجده حاضرا بقوة منذ انطلاق هذه الرحلة من فاس إلى غاية انتهائها برجوعه للمدينة ذاتها أواخر شهر ربيع الأول عام 1326هـ ـــ أبريل 1908م، حيث وصف لنا كثيرا من الطرق والقبائل والأودية والجهات التي سلكها.
كما اهتم أيضا بالمضمون التاريخي فتحدث عن بعض الآثار القديمة التي زارها بالعاصمة الإسماعيلية مكناس، وعن أبوابها وأسوارها ومساجدها وزواياها وأضرحتها وقصورها، فسلط الضوء في هذا الصدد عن مآثر حبس قارة وقبة الخياطين وصهريج السواني والهري الشهير وأكدال وجنان ابن حليمة، دون أن ننسى الضريح الإسماعيلي الذي وصفه لنا بدقة متناهية لم تغفل أي شيء من معالمه ومرافقه، حتى الأشعار التي نقشت على جدرانه أو دارت بحائط قبته.
أما المضمون العلمي فقد كان بارزا في هذه الرحلة، يتجلى في لقاءاته بعلماء وأدباء مكناس، وما دار بينه وبينهم من مناقشات علمية ونشاط فكري وأدبي عميق، أضف إلى ذلك ما صدر من جميع هؤلاء من رسائل وأشعار وكتب، وغير ذلك مما هو من صميم هذه الرحلة، ولا ننسى بعد هذا وذاك اطلاعه على محتويات الخزانة الزيدانية التي تعد وبدون منافس من أشهر الخزانات العلمية والأدبية إذ ذاك، ليس على مستوى مدينة مكناس فحسب، بل على صعيد المغرب كله.
ولم يغفل رحمه الله كعادته المضمون الإجتماعي، بل تحدث عنه ضمن فقرات مختلفة من هذه الرحلة، أما المضمون الأدبي فهو السائد على الإطلاق في رحلته، إذ ساق فيها نصوصا أدبية كثيرة في الشعر والنثر لا يمكن الإستهانة بها، ولا الإستغناء عنها في دراسة أدب هذه الفترة، فقد حرص كل الحرص على الترجمة لعلماء هذه المدينة [مكناس] ونقل أشعارهم وروايتها وتوثيقها، مخافة أن تتعرض أو يتعرض بعضها للنسيان والإندثار، ويتجلى هذا واضحا في بعض العلماء الإحدى عشر الذين ترجم لهم في هذه الرحلة، حيث أن بعضهم لا تعرف له أشعار إلا من خلال ما أتبثه في هذا النص.