التزامه بالصدق ودقة الرواية
انصب العلامة سكيرج في رحلته هذه إلى وصف الطريق التي سلكها نحو مدينة مكناس، مع ما واكبه خلالها من أحداث، أو ما اختلج في ذهنه من أفكار وخواطر ونكت طريفة، وهو نفس ما التزمه طيلة هذه الرحلة التي استغرقت أسبوعين.
وبناء عليه لم يكن رحمه الله متساهلا في انتقاد ما كان يراه غير عادي، سواء في أخلاق الناس أو عاداتهم وأعرافهم، لدرجة أن بعض علماء مكناس وصفه بالرجل الجريء، ومما هو جدير بالملاحظة أنه لم يكن متسرعا في إصدار الأحكام والإنتقادات وهجاء الناس ولومهم، بل كان منهجه التريث والتثبت تماشيا مع أسلوبه المتسم بدقة الرواية والصدق والصراحة في إبداء الرأي، فلا يجامل أحدا ولا يهادنه ولا يخافه، وقد لازمه هذا السلوك حتى في رياض مضيفه العلامة النقيب سيدي عبد الرحمان بن زيدان، وبحضور من كان به من علماء وشرفاء وأدباء كبار.
ومن أطرف ما يمكنني ذكره في هذا المحل وصفه لسهل سايس، ولما لاقاه من تعب من جراء طول مسافته، حيث قال :
يَا سَائِساً مِنْ طُولِهِ * أَمْسَيْتُ فِي هَمٍّ طَوِيلْ
فِي أَيِّ وَقْتٍ تَنْقَضِي * أَجَابَنِي بَعْدَ العَوِيلْ
وقال فيه أيضا :
مَا كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ سَائِسَ يَنْقَضِي * مِنْ كَثْرَةِ الطُّولِ الَّذِي قَدْ حَازَهُ
لَوْ كَانَ سَائِسُ قَائِماً بَلَغَ السَّمَا * فَهُوَ الصِّرَاطُ يَجُوزُهُ مَنْ جَازَهُ
ومن ذلك قوله لما مَرّ بساقية على حافة الطريق، فهوت به دابته فيها وسقط في الماء،وابتلت ثيابه دون أن يصاب بضرر، فقال يهجو الساقية مع الحافة والطريق.
تَبّاً لَهَا مِنْ سَاقِيَهْ * وَمِنْ طَرِيقٍ شَاقِيَهْ
تَبّاً لَهَا فَإِنَّهَا * مِنَ الرَّشَادِ خَالِيَهْ
ومن ذلك أيضا قوله لما نزل للإستراحة في عزيب الشريف الأمراني الكائن وسط الطريق الرابطة بين مدينتي فاس ومكناس، ومفاده أنه لما دخل إلى بيت من بيوت هذا العزيب وجد بعضا من التجار المسافرين قد استولى على ذلك البيت، ولم يترك له موضعا للجلوس، بل أملأه عن آخره بحقائبه وأغراضه، غير مبال بأحد أيا كان، فقال فيه هاجيا له : إن التجار فُجَّارٌ، لا يراعون ذمة الجار، إلا إذا عليهم جار، فدعهم عني ودعني عنهم، فليسوا مني ولا أنا منهم، ثم قال :
يَا نَفْسُ قُومِي عَنِ الجُهَّالِ وَارْتَفِعِي * مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يُرَاعَ فِيهِ ذُو أَدَبِ
وَاطْلُبْ مَحَلاً سِوَى هَذَا فَإِنَّ بِهِ * تَنَالُ غَايَةَ مَا تَبْغِيهِ مِنْ طَلَبِ
ويذهب التزامه بالصدق إلى أكثر من هذا حيث يقول الحق ويعتاده ولو على نفسه، فقد حدث في هذه الرحلة أنه دخل صحبة العلامة سيدي عبد الرحمان بن زيدان إلى جنان ابن حليمة، أحد أعظم المنتزهات وقتئذ بمدينة مكناس، وقد جرت عادة أهل المخزن أن لا يدخل إلى هذا الجنان أحد راكبا، بل راجلا لا غير، قال العلامة سكيرج : ونحن دخلناه راكبين، وفيه قلت :
لَمْ تَرَ فِي الجِنَانِ عَيْنِيَ رَوْضاً * مِثْلَ رَوْضٍ يُعْزَى إِلَى ابْنِ حَلِيمَهْ
هُوَ رَوْضٌ عَنِ الجِنَانِ تَبَدَّى * غَيْرَ أَنِّي دَخَلْتُهُ بِالبَهِيمَهْ