السبب الباعث لهذه الرحلة
زاد الله في محامده، وبلغه جميع مقاصده. ولما انبرم حبل المودة بيننا ازدادت فيه مودة، وقد كان أيام إقامته بالحضرة الفاسية، ذات المحاسن الفاشية، يتودد إلي في الظاهر والباطن، ويتردد علي في بعض المواطن، لنتذاكر في الآداب والفنون، ونقتطف من الأفنان أزهار الجد في غالب الأوقات، وفي بعضها ندير كأس المجون، والحديث شجون (¬1) ، وما زلنا على هذه الحالة، أحسن الله حاله، إلى أن سافر بالسلامة إلى حضرته المكناسية من الحضرة الفاسية، فترك أدباء فاس لا يقر لهم قرار بعده، وغالبهم سافر إليه وأقام مدة عنده، وكنت ممن يتمنى رؤيته، ويطلب نظرته وعودته، فبينما أنا كذلك أمني النفس التي بين جنبي به متيمة، ونيران الأشواق بين أضلعي مضرمة، إذ هبت علي نفحة من نفحاته، تبشرني بملاقاته، فأحيا الله بها روحي، وقلت حين أتاني البشير لنفسي في فداه روحي.
يَا نَفْسُ هَذَا الحَبِيبَ بِاللِّقَا وَعَدَا * فَسَارِعِي لِلُقَيِّهِ تَنَلْ رَشَدَا
وَبَادِرِي لِلَّذِي دَعَا إِلَيْهِ عَسَى * تَرَى مُحَيّاً يُزِيلُ الهَمَّ وَالنَّكَدَا
¬__________
(¬1) - الحديث شجون : مَثَلٌ، قال صاحب كتاب زهر الأكم، في الأمثال والحكم :ومعنى هذا المثل : إنَّ الحديث ذو فنون وأغراض وطرق يدخل بعضها في بعض، ويتشعب بعضها من بعض كالطرق المشتبكة المتقاطعة أو الأغصان والعروق. ويضرب هذا المثل في الحديث سيذكر به حديث غيره. ومن ثم يضربه القصاص والأئمة عند استطراد المسائل والخروج من غرض إلى آخر.