فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّه إلى سواء الطريق ، قال في الإبريز :
وسمعته ، يعني القطب عبد العزيز بن مسعود رضي الله عنه ، يعدّ الأمور التي تزيد في الإيمان فقال رضي الله تعالى عنه : منها زيارة القبور ، ومنها الصدقة لله تعالى خالصة ، ومنها التحرّز عن الأَيْمان الحانثة ، ومنها غضّ البصر عن العورات والنظر إليها ، ومنها التغافل عن معاصي الناس ، لأن من ينظر في معاصي الناس ويتتبعها قد يبتليه الله بالوسواس بأن ينعم الله على العاصي ، ويديم عليه النعمة ، ويجزل له العطية ، فيقول الناظر إلى معصيته كأن هذا إنما أدرك هذه النعمة بمعصيته ، فيوسوس له الشيطان في المعصية حتى يقع فيها ، أو يوَسْوِسُه على وجه آخر فيقول كيف أنعم عليه ربه وهو يعصيه وحرمك وأنت تطيعه ، ما هذا مقتضى الحكمة ، إلى غير ذلك من الوساوس الباطلة أعاذنا الله منها
قلت : وهذا الكلام يشير إلى الآفة التي في مخالطة العصاة التي ذكرها صاحب الابريز حين سأل شيخه المذكور سابقا عن كلام الشيخ الحطاب ، وكلام الشيخ المواق رحمهما الله تعالى ، لمّا اختلفا في دخول الحمام مع مكشوفين لا يستترون ، فقال الشيخ الحطاب : يحرم الدخول ، ويجب التيمم إن خاف من الماء البارد ، وقال الشيخ المواق : يدخل ويستتر ويغض عينه ولا حرج عليه . ثم قال إن شيخه رضي الله تعالى عنه أجاب :
بأن الصواب مع الشيخ الحطاب ، وأما ماذكره الشيخ المواق ففيه آفة مع فرض التستر ، محترزا إلى الغاية ، وفارّاً من النظر في عورة غيره إلى النهاية ، وهي أن المعاصي ، ومخالفة أوامر الله تعالى لا تكون إلا مع الظلام الذي بيْنَه وبين جهنم خيوط واتصالات ، فجعل الظلام له كالسقي من جهنم بسببها ، ولا أحد أعرف بذلك من ملائكة الله تعالى ، فإذا اجتمع قوم تحت سقف بحمام مثلا على معصية ، وظهرت المعصية من جميعهم ، عمّ الظلام ذلك الموضع فتنفر الملائكة عنه ، وإذا نفرت جاء الشيطان وجنوده فعمروا الموضع ، فتصير أنوار إيمانهم حينئذ كالمصابيح جاءتها الرياح العاصفة من كل مكان ، فترى نورها مرة يذهب إلى هذه الجهة ومرة إلى هذه الجهة ، ومرة ينعكس إلى الأسفل حتى تقول أنه انطفى واضمحلّ ، ولهذا كانت المعاصي بريد الكفر والعياذ بالله . فإذا كان الحمام وأهله على الحالة التي وصفنا ، وفرضنا رجلا خيِّرا ديِّنا فاضلا متحرزا جاء ودخله واستتر ، فإنه يقع لنور إيمانه اضطراب بالظلام الذي وجده في ذلك الحمام ، لأنّ ذلك الظلام ضد للإيمان ، فتضطرب ملائكته لذلك أيضا فتطمع فيه الشياطين وتصل إليه ، وتشَهِّى إليه النظر في العورة وتغويه ، فلا يزال معهم في قتال ، وَهُمْ يقوُون عليه وهويضعف بين أيديهم ، حتى يستحسن الشهوة ، ويستلذ النظر للعورة ، نسأل الله السلامة . ولو فرضنا جماعة يشربون الخمر ويستلذون به ، ويظهرون المعاصي التي تكون معه ويفحشون فيها ، ولا يحترزون من أحد ولا يخشونه ، ثم فرضنا رجلا جاءهم وفي يده دلائل الخيرات ، فجلس بينهم وجعل يقرؤها ، وطال معهم الجلوس ، وجلس معهم اليوم على آخره وهو على قراءته وهم على معاصيهم ، فإنه لا يذهب عليه الليل والنهار حتى ينقلب إليهم ، يرجع من جملتهم ، للعلة التي ذكرناها . ولهذا نُهِيَ عن الإجتماع مع أهل الفسق والعصيان لأن الدم والشهوة فينا وفيهم إلا من رحم الله وقليل ماهم
ثم قال : ومنها تعظيم العلماء الذين هم حملة الشريعة رضي الله تعالى عنهم . فتعظيمهم يزيد في الإيمان جعلنا الله من الذين يعرفون قدرهم . قال رضي الله عنه وأرغبَ عنه : ولو علم العامة قدر العلماء عند الله عزوجل ما تركوهم يمشون على الأرض ، ولَتَنََاوَبَ أهل كل حومة العَالِمَ الذي فيهم وحملوه على أعناقهم أهـ .