ثم حمد الله تعالى كما ابتدأ نظمه على هذه النعمة التي امتن عليه المولى بها من التوفيق لنظم هذا الرجز. مع الإنعام عليه بكماله. لأنه من الأعمال التي لا تنقطع بالموت. لأنه من بث العلم. وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه إذا مات ابن أدم انقطع عمله إلا من ثلاث. صدقة جارية. أو ولد صالح يدعو له. أو علم يبثه في صدور الرجال(1). فالثواب للعالم الذي يبث العلم في الصدور. حاصل له بتأليفه ولو حل في القبور. إلى يوم النشور. ولذلك قيل:
أخو العلم حي خالد بعد موته = وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى = يعد من الأحياء وهو عديم(2)
وكثير من العلماء لم يؤلفوا. فصاروا كأنهم لم يعرفوا. وقد كان طبق الكون صيتهم في حياتهم. فانقطع ثوابهم بمماتهم. ولو ألفوا المؤلفات. لانتفعوا بها بعد موافاة الوفاة. فالتوفيق من الله للمؤلفين نعمة ظاهرة. يجب الشكر عليها في كل وقت وحين. فلذلك حمد الله المولى. على أن جعله للتأليف أهلا. وحمده بحمد غير محصور. لما فيه من نوع الإقرار بالعجز عن الوفاء بشكر المنعم الشكور جل علاه. وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول مخاطبا مولاه: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك(3). ولا شك أن الحمد من جملة الشكر. بل هو رأس الشكر كما ورد في بعض الأحاديث. روى الخطابي في غرائبه والديلمي في مسند الفردوس والبيهقي في الأدب. بسند رجاله ثقاة لكنه منقطع. عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحمد رأس الشكر. ما شكر الله عبد لا يحمده(4). وروى الطبراني في الأوسط بسند ضعيف قال: سرقت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن ردها الله علي لأشكرن ربي فردت فقال الحمد لله، فنظروا هل يحدث صوما أو صلاة. فظنوا أنه نسي. فقالوا له. قال: ألم أقل الحمد لله(5) . وأسند ابن أبي حاتم من طريق حسن عن ابن عباس قال: الحمد لله كلمة الشكر. فإذا قال العبد الحمد لله قال: شكرني عبدي. وفي صحيح الإمام مسلم مرفوعا: الحمد لله تملأ الميزان(6). وقد وعد المولى سبحانه عباده بالزيادة من نعمه إذا شكروه. وأقسم على ذلك. فقال جل من قائل: لئن شكرتم لأزيدنكم(7). وقد كنت قلت في المعنى:
الشكر مفتاح أبواب الزيادات = من كل خير من المولى لنا ياتي
لذا به أمر المولى خليقته = عساهم أن ينالوا كل خيرات
فلتسألوا بالذي إليه أرشدنا = إن الكريم ليهدي للسعادات
فهو الكريم الذي للخير يرشدهم = وفضله لا يزال في زيادات
سبحانه من كريم شكر نعمته = لسنا نوافي به في كل ساعات
فكيف لا ومن النعماء منه لنا = شكرا له دائما في كل حالات
فينبغي للعاقل أن يحافظ على شكر المولى. ليكون للزيادة من نعمه أهلا. كما قلت:
شكر الإله على الذي = أولاك من نعمائه
داع إلى نيل الزيا = دة منه من آلائه
قال العارف بالله ابن عطاء الله في حكمه:من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها. ومن شكرها فقد قيدها بعقالها(8). وقد عقد هذه الكلمة شيخنا العلامة الرئيس سيدي الحاج عبد الكريم بنيس في نظمه للحكم في قوله:
من لم يكن شاكرا لله أنعمه = فقد تعرض للنعماء بالنقل
والشكر قيد وصيد قيد حاصلها = وصيد إبقائها بأوثق الحبل(9)
وقد سأل السري السقطي رضي الله عنه الإمام الجنيد عن حقيقة الشكر فقال: أن لا يعصى الله بنعمه(10). وعليه فمن عصا الله تعالى بنعمة فإنه لم يشكرها. فإنها لا محالة يفقها ولو بعد حين. ورحم القائل:
إذا كنت في نعمة فارعها = فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بشكر الإله = فإن الإله شديد النقم(11)
والكلام في هذا المقام طويل الذيل. فلنكتف منه بهذا القدر.
__________
(1) - رواه مسلم بصيغة أخرى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. إهـ.. صحيح مسلم (كتاب الوصية) باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته رقم 4177.
(2) - البيتان للشاعر ابن السيد البطليوسي
(3) - إشارة لقوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. إهـ.. صحيح مسلم (كتاب الصلاة) باب ما يقال في الركوع رقم 1042.
(4) - جامع الأحاديث والمراسيل (حرف الحاء المحلى بألف) 4: 249 رقم 11405. مشكاة المصابيح، لابن حجر الهيثمي (كتاب الدعوات) الفصل الثاني 5: 134. فيض القدير لشرح الجامع الصغير (حرف الحاء المحلى بألف) رقم 3835. الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير (حرف الحاء) 2: 81 رقم 5950. مصنف الصنعاني (كتاب الجامع) شكر الطعام 10: 424 رقم 20639.
(5) - من حديث طويل رواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط، أنظر مجمع الزوائد، للهيثمي (كتاب الإيمان) باب لا نذر في معصية إنما النذر إلخ 4: 336 رقم 6960.
(6) - إشارة لقوله صلى الله عليه وسلم: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ) ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها. إهـ.. صحيح مسلم (كتاب الطهارة) باب فضل الوضوء رقم 487.
(7) - سورة إبراهيم، الآية 7
(8) - أنظر الحكم العطائية الكبرى، رقم الحكمة 64
(9) - أنظر الواضح المنهاج في نظم ما للتاج، للعلامة سيدي عبد الكريم بنيس ص 49، رقم البيتان 185_186
(10) - أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي (الطبقة السادسة عشر) ترجمة الجنيد 9: 166 رقم 2555. تاريخ بغداد، للبغدادي (ذكر من اسمه الجنيد). طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى (باب الجيم) ترجمة الجنيد بن محمد.
(11) - البيتان للإمام علي كرم الله وجهه، قالهما ضمن أبيات له اختتمها بقوله:
فكم آمنٍ عاش في نعمةٍ ……فَمَا حس بالفقر حتى هجمْ
وكم قَدَرٍ دَبَّ في غفلة.......فلم يشعر الناسَ حتى هجمْ