وقد تفاحش الأمر حتى سرى إلى بعض إخوان هذا الزمان ممن ينتمون لهذه الطريقة، فاتخذ بعضهم بعضا سخريا، وجعلوا ما أوصاهم به الشيخ قدس سره ورائهم ظهريا، فتحزب البعض للبعض حزبا، ورموا البريء غيبا عيبا، خصوصا من باعد نفسه عن القيل والقال منهم، ولم يكن له معهم دولة، أو خالطهم ولم تكن له معهم بين العامة صولة، فيضمرون له سوءا فادحا، وربما تجد له إن كانت له مزايا من بينهم من لا يزال له في ظهر الغيب قادحا، فضلا عن أن يعتقدوه، وما ذاك إلا للحكمة الكبرى في استتار ذوي الخصوصية تحت سور سوء الظنون، ليقضي الله أمرا كان مفعولا في طرد من ليس من هذه الطريق لعدم توفر شروطها فيه.
وكثير من هذا الفريق لا يعرف من أين أخذته مصيبته التي أصابته بسهمها الصائب، وقلما تفطن لما حل به لاستيلاء سطوة الغفلة عليه، ولو أنه ألقى إلى نفسه أقل نظرة لرأى بعين بصره وبصيرته ما وقع به في هذه الحسرة، وكأني بمن اطلع على هذه السطور إذا وضعها على حاله وجد نفسه هو المقصود بمضمنها، بإظهار ما خفي عنه من أموره، فإن ساعده التجلي أنصف لنفسه من نفسه، وبادر بإنقاذها مما حل بها من سوء الإعتقاد، وأعطى لكل مقام حقه، وإلا بادر بالإنكار على ما أبديناه له من غير مشقة، وعسى أن ينفعه الله بالتبصر في أمره، فيحصل له بذلك انشراح صدره، ولست بمنكر على من أنكر هذا علي، ونسب النقص كله إلي، لأن بيني وبينه في المقاصد بون وبعد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ولكنني ما ضرني حيث أنني ... أريد وصول النفع والنصح للغير
وأعربت عن قصدي وليس علي في ... حسود ولا فيمن يلوم ولا يدري
ولقد وجد الشيطان السبيل إلى تغيير القلوب، بما يظهره من العيوب، فجلس في أوسع الطرق وأضيقها يصد السالكين عن سواء الطريق، بما يلقيه عليهم فيها من الشبه، فيستعظم الأمر الهين في أعينهم حتى يروا حسنا ما ليس بالحسن، ويروا الحسن قبيحا، ويصور لهم المحال موجودا والصالح فاسدا، والموجود مفقودا، ذلك شأن من أريد به الشر من حيث لا يشعر.