وذلك لا يخلو عن فائدة، وأقل فائدة في ذلك للمريد تنبيهه على أن مطالعة أحوال الصالحين وقراءة تراجمهم للتأدب بآدابهم والتخلق بأخلاقهم هو من التوفيق الإلاهي له وعنايته له، وما ذاك إلا ببركة تعلقه بحبل شيخه النافذ فيه سر همته، وإن ذكر مثل هذا لا ينافي الطريقة التي سلك عليها الشيخ وخاصة أتباعه، خلافا لما يعتقده بعض الجامدين الذين قصر لهم في الطريقة الباع، مع قصور علمهم عن معرفة من سلف من السلف الصالح، وعدم الإطلاع حتى إذا ذكر عندهم أحد الكمل كانوا من أجهل الناس فيه لإعراضهم عن معرفته رأسا ومعرفة أمثاله.
وكيف يرضى العاقل بأن يجهل أعيان هذه الأمة المحمدية ويجهل أحوالهم، ومن العجب أنه إذا ساقته المقادير للحضور ببعض المجالس وذكر أحد من العارفين، وحركه بعض الحاضرين للكلام بذكر ما عنده من أحواله يتلعثم لسانه ويود أن لو كان يعرف شيئا منها ليظهره في ذلك المجمع فيعد ممن له كمال الإطلاع، ولكن لسوء حظه من ذلك يأوي للركون إلى إظهار أنه ليس هذا من طريقه ولا من حزبه وفريقه، ويبث ذلك لمن يليه من المجالس، وكأنه في ذلك معذور، مع أنه لا مانع له من الطريقة من أن يكون على بصيرة ممن سلف، ويعرف قدرهم بين الخلق، ألم يطلع على كلام الشيخ وما ينوه به من مقامهم ويستشهد به من مقالهم وكلامهم، و تبعه على ذلك أهل الفتح من أصحابه، فالمانع من الإطلاع على أحوالهم بعد هذا كله إما جاهل أعماه جهله فحاد عن الطريق، ويحسب بجهله أنه سالك على أقوم طريق، وهذا حسبه أن ينقاد لأهل العلم من طريقه، وينكف عما ليس من شأنه التداخل فيه من ترك الإنكار على من يطالع كتب القوم، وإما مدع للعلم فحسبه النظر بعين الإستبصار فيما كان عليه الشيخ وخاصة أصحابه من بعده، فيرى وجه الحق من ذلك في مرءاته الصقيلة، وأن معرفة أحوال من مضى بالخيرات كفيلة.