وفي خلال تعاطيه للتجارة كان مولعا بمطالعة كتب الصوفية، ونفسه ترتاح لسماع مآثرهم السنية، ويتشوف لملاقاة من يأخذ بيده من القوم، ويتشوف للعثور عليه في كل يوم، ونفحات القبول تهب عليه فتنعش روحه وقلبه، والبواعث الإحسانية تقوي عزمه على التقوى التي كشفت كربه، وفي أثناء ما قضاه من عمره رأى رؤيا استدل بها على بلوغه لمطلبه وظفره، فاطمأن صدره بالحصول بما أمله وسكن روعه بالبشارة التي بشرته بالوصول إلى ما أم له، ولا زال على ذلك الحال والسائق الإلاهي يحرك وجده حتى اجتمع بسيدنا الشيخ التجاني رضي الله عنه في مدينة وجدة، حين كان الشيخ رضي الله عنه قافلا من حضرة تلمسان قاصدا الحضرة الفاسية لزيارة الضريح الإدريسي قدس سره، ولما لقيه بها ولم يكن له معرفة بسيدنا رضي الله عنه من قبل، ذكر له سيدنا رضي الله عنه الرؤيا التي كان رآها مكاشفا له بها، وأنه من جملة مريديه الذين يفتح لهم على يده، وقال له سيدنا رضي الله عنه: أما تخاف من الله تتعبني من مكاني إليك، فلا حاجة لي إلا ملاقاتك، فاحمد الله على ذلك، فلما ذكر له رؤياه وكان قد نسيها، وتحقق بما رآه وما بثه إليه من السر الذي لم ينله من سواه، علم أن الله تعالى تفضل عليه به، وأنه رضي الله عنه هو الكفيل له ومربيه الذي سبق من حضرة الاجتباء إليه، فألقى نفسه بين يديه، فصحبه من ذلك الوقت، وتوجه معه لحضرة فاس، ونال في مرافقته من بعد الوحشة كمال إيناس. وبها لقنه الطريقة الخلوتية، وألقى إليه من الأسرار ما فيه بلوغ الأمنية، وبعد أيام لقنه الطريقة المحمدية التجانية، ذات المواهب العرفانية، التي تلقاها الشيخ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه السلام مشافهة، وأمره بتلقينها للخاصة والعامة، فنال بذلك صاحب الترجمة الخصوصية، وتقدم على غيره بما اختص به من عظيم المزية، فلازم خدمة الشيخ رضي الله عنه قلبا وقالبا بما فاق به الخاصة من الأصحاب والأحباب، وظفر بما لم يظفر به سواه حين فتح له من حضرات المعرفة سائر الأبواب.