المطلب الثالث: في رواية الخليفة سيدي الحاج علي حرازم الأسماء الإدريسية(1) عن نبي الله سيدنا إدريس عليه السلام في واقعة روحية دلت على ماله من كمال الخصوصية
لاشك أن المفتوح عليهم تسموا بهم النفس المطمئنة إلى مراقي الرقى في المعارف، حتى يظفر صاحبها بما تتشوف إليه نفسه من المزايا التي لا تتيسر إلا لمن كان على شاكلتهم، وقد يختص بها البعض دون البعض على وفق ما قدر لكل واحد منهم من القسمة التي لا حيف فيها ولا جور يوفيها، فكلما صفت نفس من كدورات الأهواء رأت في مرآة الوجود ما لا يراه إلا ذو بصيرة نافذة، خارقة لأستار العادات المألوفة، فتطلع على ما وراء ذلك مما لا عين رأت ولا خطر على قلب الغافل بما يقف متحيرا.
ولا عجب في مثل هذا عند من تروحنت أنفسهم في مخدع الخلوة، وعملت على الرياضات الموافقة للطباع السليمة، المحصلة على المظنون به عن غير أهله من الفتوحات الباهرة، ليكون لها في العالم العلوي والسفلي مجالس أذكار واعتبار، بين قوم يعتاد الجلوس معهم في حضرات غيبية، ليست لغيره متيسرة في كل زمان ومكان، وإنما ذلك بحسب الفيض الذي فاض على صاحبه من حضرة الوهب بالفتح اللدني، فتجده دائما يأنس بانعزاله عن قوم تشمئز نفوسهم من نفوره، ويتمنون أن يطلعوا على سر حب البعد عنهم والإنزواء بنفسه في خلواته وجلواته، وما ذلك إلا لما اعتاض بهم عن مخالطتهم بمخالطة القوم الذين انحاش إليهم باطنه وأوحشه الأنس بغيرهم، فلا يميل بقلبه عنهم إلى السوى كيف ما كان، لاستفادته من أهل الحضرة ما لم يستفده من المحجوبين عنهم.
__________
(1) - الأسماء الإدريسية نسبة للنبي سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام، وهي أربعون إسما، أولها سبحانك لا إله إلا أنت يا ربَّ كل شيء ووارثه ورازقه وراحمه. إهـ.. وقد اشتهر بها كثيرا العلامة الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي، وله عليها شرح مفصل سماه: الروضة السندسية في الأسماء الإدريسية.