ولقد أعطى الله لسيد الوجود عليه السلام جميع وجوه الخير ظاهرا وباطنا، فالخير منه وعلى يديه متيسر للطلاب، مفتحة لديه سائرالأبواب، فالتماس الخير لديه قد رغب فيه بحاله ومقاله، فكأنه يقول: التمسوا الخير عندي واطلبوه مني، وكذلك نوابه وخلفاؤه، فقد أرشد إلى التعلق بهم، لأنهم يهدون إلى الحق وبه يهتدون، وللمتحقق بمعنى الخير حظ وافر من التخلق به، فهو بنفسه من حسان الوجوه، فلا يلتمس الخير إلا من الخير، ولا يجد في كل ما سنح له إلا الخير، ومن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، طبق ما وردت به آثار سيد الوجود، ومنبع الفضل والجود، عليه الصلاة والسلام، فإن اتضح لك معنى حسان الوجوه في الجملة عرفت أن جميع من يدل على الحق بين الخلق فهو منهم، و قد رغب المرشد الأكبر عليه السلام بالتمسك بأذيالهم، والتماس الخير عندهم، حرصا منه على نفع عباد الله، ما اقتدى به المرشدون الوارثون منه ما منحهم الله من الخصوصية على حسب ما تلقوه عنه مما قدر لهم من القرابة الطينية والدينية، وعلى قدر تفاوتهم في القرب الحسي والمعنوي، ولكل واحد من ذلك ما يتحقق به في عالم سره، ما قرت به عينه من غير قناعة من خيره الفائض عليه من هذا البحر، الذي يمد الكون وهو في الزيادة في مد وإمداد على الدوام عليه الصلاة والسلام، وجميع هؤلاء الوجوه في الوجود رشحة من رشحاته، وقد قال المادح في حقهم:
وكلهم من رسول الله ملتمس ... ... غرفا من البحر أو رشفا من الديم
وواقفون لديه عند حدهم ... ... من نقطة العلم أو من شكلة الحكم(1)
__________
(1) - البيتان من قصيدة البردة للشيخ محمد بن سعيد البوصيري، رقم 38 و 39.