ولم ينج منهم إلا النادر من النادر ممن وفقه الله بالاشتغال بنفسه عن غيره، وشغله به عنهم بما يعمل به على شاكلتهم شاكلته، فقيده بالخير، وقيض الخير إليه، فأجراه على يديه، فكان من المفلحين، وما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح من هؤلاء المرشدين، الذين طووا مسافات السلوك، إلى ملك الملوك، في أمد قريب، وأوصلوا الخلق للحق في أقرب ما يكون بالسير الموصل للتنعم بوصل الحبيب، فمن ظفر بواحد منهم ظفر بغنى الدارين، وزال عنه العنا بما يحصل عليه من الراحة الدائمة عناية من الحق به، فيلحق بالسابقين الأولين، وإن كان ظهوره في الآخرين، فيقيض الله له من يجمع شتاته، فتصير مقاصده وإن كانت شتى مقصدا واحدا يحصرها فيه، ويحصل عليه وفق الظن وفوق ما يظن، ولهذا رغب المرشد المحق في ابتغاء الوسيلة، وهي هو، ومن أقامه الحق مقامه من أهل الدلالة عليه المتسارعين إلى الأخذ بأيدي الخلق لنفعهم في العاجل والآجل، تخلقا بمقتضى الخلق عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله(1)، غير أن لكل واحد من هؤلاء السادات مشربا خاصا به، ومذهبا تمذهب به، ومسلكا جرى عليه حسب ما أفيض عليه من تلك الحضرة التي أشرنا إليها، فصار متلونا بلون أهل زمانه، ومنهم من خالف ليعرف مقصودا، أو يتظاهر بما ينفر عنه الخلق لاشتغاله بنفسه، وغير ذلك من المقاصد التي تخفى على من مارس أحوال الصادقين وأحوال الصديقين فضلا عن غيرهم، فيقف غير منتقد أمام مسرح تقلباتهم في المعاملات على اختلاف أنواعها، فما سنح له من الخير اقتنصه، وما تبدى له في حلة الإنكار باعد نفسه عنه، طالبا السلامة التي هي من نفس الكرامة المحتفة بالمصدق لأهل الله.
__________
(1) - أنظر مجمع الزوائد، للهيثمي (كتاب علامات النبوة) باب فضل قضاء الحوائج رقم 13706، رقم 13707.