قد انتقد بعضهم على كتاب جواهر المعاني بأنه منتحل من كتاب المقصد الأحمد في التعريف بسيدي ابن عبد الله أحمد(1)، تأليف العلامة الشهير أبي الطيب سيدي عبد السلام ابن الطيب القادري. وهذا الكتاب جل عبارته من الخطبة وغيرها مأخوذ باللفظ في تأليف جواهر المعاني، فهو تأليف الغير في غير الشيخ التجاني رضي الله عنه. فكان من حق مؤلفه أن ينبه على أنه انتحله من تأليف الغير حتى لا يقع الإنتقاد عليه من هذه الحيثية.
ولقد أكثر المنتقدون الكلام في هذا الشأن الذي شانوا به وجه هذا الكتاب، وما قصروا من التهويل في هذا الباب(2)، ولقد أثر كلامهم في عقول بعض الإخوان، ممن كانوا متمسكين بحبل الطريقة، فانقطعوا بما داخلهم من الارتياب، من غير تثبت منهم في الأمر الذي أبداه لهم المنتقدون على ما كانوا يعتقدوه.
ومن لم يكن في نهجه متثبتا ... على قدم الإخلاص في الحب يسقط
وحيث كان هذا الانتقاد يحتاج في تحقيقه وتوهينه إلى بسط كلام بلسان مبين عن هذين الأمرين تعين علينا أن نحصر المادة هنا في بساطين على سبيل الإختصار فنقول:
__________
(1) - كتاب المقصد الأحمد، في التعريف بسيدنا ابن عبد الله أحمد، للعلامة سيدي عبد السلام القادري، طبع على الحجر بفاس، ووافق الفراغ من طبعه منتصف شهر جمادى الثانية سنة 1351 هـ، وهو في جزءين، يقع الجزء الأول منهما في 180 صفحة، أما الثاني فهو في 200 صفحة، تحدث فيه مؤلفه عن شيخه العلامة العارف بالله سيدي أحمد بن عبد الله معن، فافتتح الكتاب بخطبة، ثم تناول بعدها تراجم والدي الشيخ المذكور ونسبه وعشيرته الأقربين إليه، كما تحدث عن شيوخه ونشأته وتصوفه، وعن مراحل تعليمه وأخذه لطريق القوم، ثم انتقل منها للحديث عن سيرته وأخلاقه، وما له من مواجد وأحوال ومناقب، وما أجرى الله على يديه من كرامات، كما ساق في الوقت نفسه جملة وافرة من القصائد التي قيلت فيه، وختم الكتاب بتراجم موسعة لبعض كبار شيوخه، كوالده الشيخ محمد ابن عبد الله، وسيدي قاسم الخصاصي، وسيدي مبارك الكواش وغيرهم.
(2) - يذكر أن أحد العلماء المغاربة الذي زامنوا هذه الفتنة (لا داعي لذكر اسمه) وكان من المنكرين على الطريقة التجانية، حاول تدبير مؤامرة في الخفاء ضد الطريقة المذكورة، فاتفق مع فقيه آخر مُنْكِرٍ مثله على أن يذهبا معا لمصر، بغية طباعة كتاب المقصد الأحمد وعلى هامشه كتاب جواهر المعاني لسيدي الحاج علي حرازم، وذلك بهدف إثارة النواعر، وبث الترهات والأكاذيب، وإدخال البلبلة بين مريدي الطريقة المذكورة.
فذهبا فعلا إلى مصر، وعرضا الكتابين على كثير من مطابعها، غير أنهما أصيبا بخيبة أمل كبيرة وذلك بعدما رفضت جل المطابع أن تلبي طلبهما بطباعة الكتابين المذكورين، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل حصل بين الرجلين تشاجر ونزاع مرير، أفضى إلى قذف وسب وشتم وتكفير بعضهما بعضا.
فرجعا للمغرب خائبين في غاية الإحباط والنذالة، ثم ألَّفَ كل منهما كتابا ضد الآخر، ينكر عليه ويقدحه ويظهر عوراته، ويصفه بأبشع الصفات، وقد ذهب الله بنور هذين الفقيهين، اللذان أرادا بكتاب جواهر المعاني سوءا، فساء حالهما، وأصابتهما لعنة الكتاب المذكور، فباءا بالخسران المبين، وقد توفيا كلاهما خارج وطنه (المغرب) وهم في أبشع ما يكون من صور الذل والإنحطاط والخيانة.