الحال الثالث من هذه الأحوال التي تطرأ على بعض المريدين عند لحوقهم بهذا الأمر
يحصل لبعضهم حال ينزعج بها فلا يضبط ما يصدر منه حال الغلبة عليه حتى ينسى الطريقة وما انبنت عليه، فينقطع حبله من حبلها، ويصبح في عين القطيعة، ولا تسأل عما يقع هناك من سوء الحال، وكثرة القيل والقال، ويستولي عليه ما يعتري أهل الجدال، وينتصر عليه المنتقدون عليه بذلك، فيزينون لهم الوقيعة في مؤلف الجواهر المذكور، فيطلق لسانه بالسب وما جرى مجراه، وذلك مراد الشيطان من المنقطع عن الطريقة، فيمسح بيديه على وجهه ويقول: قد ظفرت منك بالمراد، فهذا وجه لا يفلح أبدا.
وقد وقع في هذه المصيبة جماعة ممن كانوا منتسبين لهذه الطريقة، فنحن نراهم اليوم قد رفضوها ودخلوا في حزب المنتقدين، وهم في غمرة البغض منقلبون على أدبارهم، ولا يشعرون بالمكر الذي احتف بهم بسبب انقطاعهم وإنكارهم، ولله الأمر من قبل ومن بعد(1).
__________
(1) - انسلخ عن الطريقة التجانية إبان نشوب هذه الفتنة جماعة من الأشخاص، لعل من أبرزهم الفقيه محمد الفاطمي الشرادي، ومحمد بن عبد القادر الهلالي، ومحمد بن العربي العلوي، وغيرهم من المغرورين أو المُغَرَّرِ بهم، والحق أن هؤلاء لم يكونوا معتقدين في هذه الطريقة، أو متمسكين بها على الحقيقة، وإنما كانوا فيها على طرف، إن أصَابَ أحدَهُمْ خيرٌ اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
وقد جهر بعض هؤلاء المذكورين بشديد العداوة للطريقة التجانية، وَسَطَا البُغْضُ إلى قلوبهم، وانطبع في أفئدتهم، فأفاضوا في إلقاء الشبهات والتشكيكات التي تزيغ العوام وضعفة العقول والأفهام عن معتقدهم الصحيح، وتقودهم إلى الإنكار والتعطيل والإعوجاج عن سواء السبيل.
ومما يذكر عن العلامة الولي الصالح سيدي العربي المحب العلوي أنه كان شديد الكراهية للفقيه محمد الفاطمي الشرادي، منذ ولوج هذا الأخير للطريقة التجانية عام 1313 هـ، فكان لا يوَدُّ مجالسته ولا مصافحته، ويعرض عنه، ولا يقيم له أي وزن، وكان بعض ساداتنا الفقراء يتعجبون من ذلك، ويسألون عن موجب ذلك الإعراض، وكان كلما التقت عينه بعين الشخص المذكور يقول:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... ... الله يعلم أني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني حين أفتحها ... ... على كثير ولكن لا أرى أحدا