قال الطفيلي ابن مسعود: فلما رأيت ما أعجب الألحاظ، وأعجز الألفاظ، وجدت مقتنص قلبي ينتعل الرؤوس، ومختلس لبي يسترق النفوس، فخيمت بفنائهم، واستظللت تحت لوائهم، لينتظم في سلك درهم صدفي، ويلتئم بهم شملي، وينجبر بهم تلفي، فقد سعد قاصدهم، إذ حسنت مقاصدهم، فبينما نحن على بساط الإنبساط، نتجاذب أطراف الإغتباط، إذ أقبل شخص يتكبل، فرأينا أنه يريد أن يتطفل، فملنا عن مدح الأدباء، لقدح الرقباء، فلما ألم بنا وحضر، ولم يغن منه حذر، وخشي عتابا، أو توهم اغتيابا، أخد يستميل القلوب، بأشعار في المحبوب، فقلنا يا هذا إن كنت ممن يعرف القريض، ويميز بين الصحيح والمريض، فلنا في هذا المحبوب مقصد جيد، وحالنا فيه متأيد، إن ادعيت بالشعر علما، فصفه نظما، فمكث أقصر من جلسة الخطيب، واعتدال الغصن الرطيب، ثم استحضر براعته، وشحذ يراعته، وانتضاها أمضى من العامل، ورقم بها في صفاح الطروس من عروض الكامل:
لاموا عليك وما دروا بالمقصد = ورأوا ملامي للسلامة مرشدي
زعموا بأن تحيري بتخيري = فرثوا لطول تجلدي وتسهدي
هيهات لو ذاقوا هواك لأنصفوا = وأتوا بعذر للمحب ممهد
يا لائمي ردد علي حديثه = فالأذن تعشق ذكر ذاك الأعيد
ودع الملام فما يصد عزيمتي = شيء فساعدني و إلا فابعد
واعلم بأن تولهي ما ينقضي = أبدا ووجدي مزبدا لم ينفد
إن كنت ذا قلب سليم سالم = فأنا السليم وليس تدري عودي
قلبي تملكه الغرام بأسره = فجوارحي أبدا بذلك تقتدي
إني رضيت من الحبيب بهجره = هبني بذلك اهتدي أو أعتدي
لم يبق في هوى المليح بقية = تصغى لقول الناصحين الشرد
ما زلت بين صبابة ومهابة = متحيرا فيه أروح وأغتدي
لو أبصرت عيناك نور جبينه = وضياءه كالوكب المتوقد
أو لو سمعت خطابه وحديثه = يشفي غليل المستهام المكمد
أو لو رأيت محاسنا في وجهه = جمعت وإحسانا له لم يجحد
أو لو رأيت جماله وكماله = وبهاءه وعلاءه كالفرقد
لخضعت إجلالا وصرت أسيره = وجبلت من شغف به لا تفتدي
ورأيت من صنع المهيمن صورة = وسريرة في غيره لم توجد
ورأيت روض الأنس حيث قلوبنا = ما بين طيار بها ومغرد
حيا الحيا أيام كنت بقربه = أجني المنى من خده المتورد
لم أنس ليلة جاد لي بتألف = وتلطف وتعطف وتودد
غفل الرقيب فنلت منه فرصة = ياليتها دامت لصب مبعد
بتنا نشعشع خندريس لحاظه = بعذيب منطقه الشهي المورد
حتى الصباح وما ألم بديرنا = إلا رقيب الفجر أدنى موعد
حيث الربيع تفتقت أنواره = كمنضد من لؤلؤ وزبرجد
والزهر ينثر في بساط أخضر = والنهر كالسيف الصقيل المغمد
والروض مبتهج النبات يزينه = صوب الحيا بتهطل متجدد
ما بين أبيض كاللجين وأحمر = مثل العقيق وأصفر كالعسجد
والغصن قد بعث الصبا بدراهم = من نوره كرما بغير تبدد
والجو ينفح والنسيم معنبر = والطير يصدح في الغصون الميد
فتميس من طرب لذاك وتنثني = وتخر إجلالا له كالسجد
لله ما أشهى وأحلى ليلة = جاد الزمان بها برغم الحسد
عجز اللسان فلم يطق إحصاء ما = طويت عليه من السرور السرمدي
ما رمت أحصر وصفها إلا انثنى = عزمي كأني رمت عليا أحمد
يحصى الحصا والرمل دون صفاتها = لا بل صفات إمامنا ذي السؤدد
لو كان يدرك وصفه مداحه = طرا لكان أحقهم ذو المقصد
فلقد أتى فيه بما يسبي النهى = ويزيد في إيمان كل موحد
ما إن رأى راء له شبها ولا = راو روى خبرا كهذا المرشد
فيه الفضائل والمكارم جمة = ما حازها في وقتنا من أمجد
نعم الذخيرة والجليس فلم يدع = شوقا لشخص منهم أومنجد
ويؤنس الصب الغريب وينعـ=ـــــش الفاني ويجلو غبة القلب الصدي
سرح لحاظك في رياض صفاحه = متعجبا وانشق شداها ترشد
وأنخ ركاب العزم تحت لوائه = ورد المعين بحوضه وتورد
يغنيك عن زهر الربيع وزهوه = والحوض والروض الأنيق الأسعد
واشكر لجامعه الموفق سيدي = عبد السلام القادري الأوحد
أكرم به من سابق في علمه = فرد بأسرار الإله مؤيد
ماذا به طيبت يا ابن الطيب الأسمـ=ــــاع من حبر صحيح مسند
وأفدتنا من كمياء علومكم = ببديع لفظ للجموح مقيد
ما ناب عن كنز وحرز نافع = أو عز مقدام الشرى بمهند
وسلكت منهاج التحقق للعلى = و من اقتفى سبل المحامد يحمد
لا زلت نفاعا مفيدا ناصحا = للخلق مأجورًا ليوم المشهد
تسري مواهب ربنا ما نالها = إلا السعيد ومن أتاه يسعد
هذا هو الحسن البديع طرازه = هذا هو الكنز الذي لم ينفد
هذا هو السحر الحلال يروح العـ=ـــــاني وينفي كل خطب أنكد
ويزيد في القلب المشوق تولعا = وتولها وتحيرًا لم يخمد
خل الخلي وما اقتضاه رأيه = فالشمس ما وضحت لعين الأرمد
هذي ثواقب زاهرات في الدجى = هذي مناقب فوق كل تعدد
هذي عرائس بالمحاسن تجتلى = تجلو العشا عن طرفنا كالإثمد
هذي رياض نمقت أزهارها = هذي حياض عذبة للمورد
هذي ثمار المجد لكن قطفها = باللحظ يحصل للنهى لا باليد
هذي ينابيع الروض هذي مرا = تع العلى هذي مواضع أسعد
هذي فضائل لا يحاط بقدرها = طول المدا هذي شمائل سيدي
هذي طريقته السليمة أوضحت = سنن الشريعة للمريد المهتدي
هذي الحقائق بعض بعض علومه = فاعجب لذا البحر الخضم المزبد
هذا أبو العباس أحمدنا الذي = ورث المكارم عن أبيه محمد
هذا ابن عبد الله من إفضاله = عم الورى من أبيض وأسود
هذا الذي أخد القلوب فأذعنت = طوعا بنظرته بغير تردد
أكرم به من أكمل ومفضل = ومبجل ومعظم وممجد
نال السيادة والمجادة والإفـ=ــــــادة والعبادة والسعادة في غد
مانالت السباق بعض كماله = كلا ولا ضاهاه كل مسود
أو هي تقدمه قوى حساده = لما تفرد بالعلا و السؤدد
أعيا وأتعب من تصدى بعده = من ذا يصول بوالد كمحمد
فجزاه رب العالمين بفضله = علا جزاء العارفين الهجد
والله يرضيه ويرضي دائما = عنه ويكلؤه ليوم الموعد
والله يهدينا به لطريقه = ويديمه ليقيم كل تأود
وينيلنا إحسانه بقبوله = فينا شفاعته بجاه محمد
صلى عليه إلاهنا ما أقبلت = بزل تجوب له الفلا بالفدفد
انتهت بحمد الله وصلى الله على مولانا محمد وآله وصحبه وسلم