قال القطب الشعراني رضي الله عنه : أخذ علينا العهود أن نجيب عن أئمة الإسلام من العلماء والصوفية جهدنا، ولا نصغى قط لقول من طعن فيهم، لعلمنا بأنه ما طعن فيهم إلا وهو قاصر عن معرفة مداركهم، ثم إن الراد عليهم لا بد أن يطفئ نوره ويعدم النفع بمؤلفاته كلها، لسوء أدبه مع من جعلهم الله قدوة لعباده إلى يوم القيامة، وأين رتبة بعض الناس من رتبة الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه حتى يرد عليه أقواله، وأين رتبة ابن الجوزي(1) من رتبة معروف الكرخي(2) والجنيد والشبلي(3) وأبي يزيد البسطامي وسهل بن عبد الله التستري ونحوهم من السادة رضي الله عنهم حتى يرد عليهم، ويقول في كتابه المسمى بتلبيس إبليس : ولعمري لقد طوى هؤلاء الصوفية بساط الشريعة طيا، فيا ليتهم لم يتصوفوا، وقال في موضع آخر من كتابه المذكور : ولقد تعدى هؤلاء طور الجنون بطبقات، وصرح فيه أيضا بتكفير السيد أبي يزيد البسطامي وسهل بن عبد الله التستري والشبلي والغزالي وجماعة، وهو عجيب، فإن هؤلاء من أعظم أئمة القوم الجامعين بين الحقيقة والشريعة، مع أنه رحمه الله قد طرز جميع مؤلفاته من كتب الرقائق بمناقبهم وحكاياتهم، ولعل ذلك وقع منه في بدئ أمره، أو دس عليه في ذلك المؤلف.
__________
(1) عبد الرحمان بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي، مؤرخ، فقيه، محدث، ولد ببغداد عام 508هـ، بها توفي عام 597هـ، له نحو 300 مصنف، منها تلقيح فهوم أهل الآثار في مختصر السير والأخبار، والوفا في فضائل المصطفى، ومناقب بغداد، وفنون الأفنان في عيون علوم القرآن، ومناقب عمر بن عبد العزيز، ومناقب أحمد بن حنبل، ومناقب عمر بن الخطاب، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم، وغيرهم. وهو من المبالغين في الإنكار على الصوفية والتشديد عليهم والرد على أقوالهم وأحوالهم وما إلى ذلك.
أنظر ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان ج 1 ص 279، وفي مفتاح السعادة لطاش كبري زاده ج 1 ص 207، وفي البداية والنهاية لابن كثير ج 13 ص 28، وفي الأعلام للزركلي ج 3 ص 316، وفي الفكر السامي للحجوي ج 2 ص 429 رقم الترجمة 938. وفي فهرس الفهارس لعبد الحي الكتاني ص 308-310 رقم الترجمة 132.
(2) أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي، صوفي مشهور، عرف بالورع والزهد والإستقامة، وهو من موالي علي بن موسى الرضا، توفي رحمه الله ببغداد عام 200هـ، وبها دفن، وقبره ظاهر يتبرك به، انظر ترجمته في الطبقات الكبرى للشعراني ج 1 ص 72 رقم الترجمة 142، وفي وفيات الأعيان لابن خلكان ج 2 ص 104، وفي طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمان السلمي ص 83-90، وفي صفة الصفوة لابن الجوزي ج 2 ص 179، وفي الأعلام للزركلي ج 7 ص 269.
(3) أبو بكر بن جحدر الشبلي، صوفي مشهور، أصله من بلاد خراسان، ولد ببغداد عام 247هـ، وبها توفي عام 334هـ، ودفن بمقبرة الخيزران، وقبره بها ظاهر مقصود للتبرك،، وله في التصوف أشعار ومقطعات جميلة، جمع بعضها الدكتور كامل مصطفى الشيبي تحت عنوان : ديوان أبي بكر الشبلي، انظر ترجمته في الطبقات الكبرى للشعراني ج 1 ص 103 رقم الترجمة 204، وفي وفيات الأعيان لابن خلكان ج 1 ص 180، وفي صفة الصفوة لابن الجوزي ج 2 ص 258، وفي النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ج 3 ص 289، وفي الأعلام للزركلي ج 2 ص 341.