وقد نقلنا عنه في هذه الأجوبة وغيرها لموافقته لمشربنا بما منحه الله به من التعبير عما يختلج في الضمير، وهو إنشاء الله الحق الذي لا شك فيه، وبهذا يتضح لكل ذي قلب سليم أن المؤمن يتعين عليه ترك الإنكار على أهل الله، ويتثبت فيما ينسب إليهم من كل من لا يتحرى النقل عنهم، ممن سمع منهم مباشرة أو بوسائط، فإن آفة الأخبار رواتها، ويتأكد في حق المريد الصادق القطع بما أخبره به شيخه أو بلغه ذلك على لسان الثقة، مما لا تأباه الشريعة ولا يخل بمنصب قائله أو فاعله، وكل ما لا يقبله عقله ولم يمكن تأويله وثبت عن شيخه فليعرض عن الخوض فيه مع كل خائض، ولا يلتفت لكل معترض بهواه يعارض، ولا يضر المريد الصادق قطعه بصدق شيخه، لأنه هو المطلوب في حقه عند أول قدم يضعه في طريقه، ولهذا قال الشريشي(1) :
ولا تقدمن قبل اعتقادك أنه = مرب ولا أولى بها منه في العصر
فإن رقيب الإلتفات لغيره = يقول لمحبوب السراية لا تسري
وقد تقرر في الأصول أنه يتعين على المقلد لمذهب من المذاهب، بل يتعين في حق كل مكلف أن يعتقد أن مذاهب أهل الحق كلهم على هدى من ربهم وإن اختلفت آراؤهم، إلا ما كان من أهل الزيغ والأهواء الضالة، فهم في ضلالتهم يترددون، وفي ظلمات جهالتهم يهيمون، وإلى هذا أشار في إضاءة الدجنة في اعتقاد أهل السنة(2) ناظمها فقال :
ومالك وأهل الإجتهاد = كل إلى نهج الصواب هاد
كالشافعي وأبي حنيفة = وأحمد ذي الرتبة المنيفة
وكلهم على هدى من ربهم = وفرقة الجنيد دن بحبهم
فإنهم طريقهم مرضية = قويمة لأهلها مزية
ومعلوم أنه لا يقتدي الشخص بمذهب، إلا بعد قطعه بأنه على حق لا شك فيه عنده ولا ريب، وإلا كان في ديانته على خطر عظيم، فلذلك تعين على المريد القطع بما أخبره به شيخه الذي اقتدى به في سلوك طريق وصوله إلى ربه، ولا يقال بعد التحقق بما قلناه من القطع لا سبيل إليه، لأنه لا يكون إلا من إخبار المقطوع بعصمته، وليس هنا نص منه يوجب القطع بما يقوله الشيوخ أو يخبرون به، لأنا نقول يكفي في الجواب عن هذا ما بيناه، وقد نص من يقتدى بهم أن هناك قرائن توجب القطع والجزم بالشيء، مثل القطع بكون الأئمة الأربعة ونحوهم على هدى من ربهم.
__________
(1) سبق التعريف به في هذا المجموع ج 1 ص 200.
(2) إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة لناظمها العلامة المؤرخ الأديب أبو العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني ومطلع هذه المنظومة :
يقول أحمد الفقير المقري = المغربي المالكي الأشعري