هذا السؤال اشتمل على سؤالين بالجواب عن أحدهما يتضح الجواب عن الآخر، ويحتاج في تحقيق الجواب عنهما إلى تمهيد يتعين دائما استحضاره في مثل هذا الموضوع الذي أوجب انتقادات من علماء الظاهر على الصوفية وكل من نحا منحاهم فنقول :
يتعين على كل مسلم مؤمن بالله أن يجزم ويقطع أن لا فاعل إلا الله جل وعلا طبق العقيدة المقررة، وأنه لا شريك له في ملكه، يفعل ما يشاء لا يسأل عما يفعل، وأنه لا تصرف معه لأحد في إيجاد شيء أو إعدامه، لأنه سبحانه هو الفاعل المختار، وكل من ادعى تصرفا معه في خلقه لنفسه أو لغيره على سبيل الإشراك في شيء من إبرام أو نقض من بين سائر الموجودات فهو ضال مضل كافر بإجماع كل من قال لا إله إلا الله، وهذا كله معلوم من الدين بالضرورة، ثم بعد هذا نقول : إن تصرف العبد في ملك سيده بإذنه مما لا يتوقف أحد في جواز إطلاقه، مع التقييد بالإذن دفعا للبس على غير الموحد، وقد يسوغ بدونه في البساط الذي لا يخاف فيه فتنة السامع.
وقد اضطربت في هذا المحل أقوال العلماء، فمنهم من سد الباب خوفا من تضليل الخلق أو دفعا للوقوع في عرض المدعي للتصرف في الخلق لنفسه أو لغيره. ومنهم من فصل، ولكل مشارب، على اختلاف المذاهب، وكل على بينة من ربه، في بعده وقربه، يعامله الحق تعالى على قدر نيته في مناضلته عن الحق وحزبه، فإن الحق واضح عند أهله لا تلحقهم فيه شبهة ولا ريبة، وما بعد الحق إلا الضلال، فمن تحقق العقيدة السليمة الواجبة على الموحد للحق تعالى لا يضره التسليم لمن لم يبلغ مبلغهم وهم جل الصوفية المجيزين لمثل ما وقع السؤال عنه، خلافا لمن أنكر عليهم في ذلك، وعاقبة الإنكار وخيمة، فقد كان سيدي علي ابن وفا(1) رضي الله عن شيخنا وعنه يقول : التسليم للقوم أسلم، وربما تنصر بعض المنكرين ومات على ذلك نسأل الله العافية، بنقل القطب الشعراني عنه في المنن، وقال في كتابه "البحر المورود في المواثيق والعهود" ما نصه : أخذ علينا العهود أن لا نمكن أحدا من إخواننا يبادر إلى الإنكار على من خالف نقل بعض العلماء إلا إن أحاط علما بجميع طرق الشريعة ولم يجد ذلك الحكم فيها، وهذا عزيز وجوده، كل ذلك سدا لباب الإنكار بغير علم، وقد روى الطبراني عن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أنه قال : إن شريعتي قد جاءت على ثلاثمائة وثلاثة عشر طريقة، ليس منها طريقة يلقي العبد بها ربه إلا دخل الجنة، ثم قال : فإن كنت يا أخي عارفا بجميع هذه الطرق ولم تجد حكم ما أنكرته فيها فلك إنكاره، وإلا فالتسليم أفضل، والله تعالى أعلم.
__________
(1) علي بن محمد بن محمد بن وفا القرشي الأنصاري الشاذلي المالكي، من خيرة أعلام الصوفية بمصر، ولد بالقاهرة في ليلة الأحد 11 محرم الحرام عام 761هـ، وبها توفي في شهر ذي الحجة عام 807هـ، وله رحمه الله مؤلفات نفيسة أغلبها في التصوف، منها : الباعث على الخلاص في أحوال الخواص، والوصايا، والعروش، والكوثر المترع في أحوال الأبحر الأربع، والمسامع الربانية، ومفاتيح الخزائن العلية، وديوان شعر، وموشحات.
…انظر ترجمته في الطبقات الكبرى للشعراني ج 2 ص 22-65 رقم الترجمة 315، وفي شجرة النور الزكية لمخلوف ص 240 رقم الترجمة 860، وفي الخطط التوفيقية لمبارك ج 5 ص 142، وفي الضوء اللامع للسخاوي ج 6 ص 21، وفي الأعلام للزركلي ج 5 ص 7.