وكذلك يقال فيما فعله إبراهيم عليه السلام، فخلقه للطائر بإذن الله، وفيه عبادة محضة للحق تعالى، فقد قيل في قوله تعالى : أو لم تؤمن، قال بلى ولكن ليطمئن قلبي(1). بأن المراد اطمئنان قلبه بتسليم قومه له حين يشاهدون هذه المعجزة العظيمة التي أبرزها الحق على يده، وبذلك يتم إيمانهم الذي فيه له تمام الرغبة، وفي ضمن ذلك أسرار عالية المدارك ليس هذا محل الإفصاح عن بعضها.
والحاصل أن جميع المعجزات لا طاقة للمخلوق أن يوجدها بغير إذن الله، وقد نص جمهور أهل السنة على أن كل ما جاز كونه معجزة لنبي جاز كونه كرامة لولي، لا فرق بينهما إلا التحدي، وهنا كلام طويل الذيل بين الأصوليين، والتحقيق ما ذكرناه. ولا التفات لمن أنكر ذلك، وأنظر شراح الدجنة للمقري(2) لدا قولها :
ولا تصغ لمن أبى الكرامة = للأولياء واجتنب مرامه
وشراح قول الهمزية :
والكرامات منهم معجزات = نالها من نوالك الأولياء
وإذا ثبتت الكرامة للأولياء في فعلهم قيد حياتهم مثل هذا فلا معنى للتوقف في جواز ما وقع السؤال عنه إلا لمن لا يصدق بذلك أو عاند في الحق الواضح، ولا كلام لنا مع الجاحد، فإنه لا يقبل الحق ولو صار عنده من قبيل المحسوس، ولقد شاهد المصدقون بالكرامات من قديم الزمان، ولا زالت واضحة عند أهلها إلى زماننا هذا وإلى ما بعدهم بحول الله، مما لا شك فيه، بتحقق التصرف لأهل الله ظاهرا وباطنا، ولا يحصل المنكر على خير بإنكاره، وكثيرا ما أفضى الإنكار بصاحبه إلى الطرد عن حمى أهل الله، فكان عاقبة أمره خسرا.
__________
(1) سورة البقرة، الآية 260.
(2) أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى المقري التلمساني، مؤرخ، فقيه، أديب، حافظ، من مواليد تلمسان، ثم انتقل إلى فاس، حيث استقر بها مدة طويلة قبل أن يتوجه للديار المشرقية، وكانت وفاته بمصر في شهر جمادى الثانية عام 1041هـ، ومؤلفاته كثيرة منها : نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب، وأزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، وروضة الأنس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من علماء مراكش وفاس، وإضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة، وعرف النشق في أخبار دمشق، وغيرهم.
…انظر ترجمته في شجرة النور الزكية لمخلوف ص 300 رقم الترجمة 1162، وفي فهرس الفهارس لعبد الحي الكتاني ص 574 رقم الترجمة 331، وفي خلاصة الأثر للمحبي ج 1 ص 302، وفي الفكر السامي للحجوي ج 2 ص 328 رقم الترجمة 734، وفي الأعلام للزركلي ج 1 ص 237.