وقد رأينا كثيرا ممن امتحنوا، وقل من نجا من التهلكة في دينه ودنياه، ولم يزده مكر الحق به إلا تجلدا في تحمله للمكاره وتعصبا لهواه، تبعا لما ساقته إليه المقادير، إلا ما كان ممن تحققت نسبتهم لبيت النبوة، فقد قادتهم السعادة لمحلها، فنالوا بالتوبة النصوح عن الطعن في أهل الله مالا يكيف من فتوحات ربانية، ومواهب عرفانية، صاروا بها في عين الرضى والقبول، عند الله وعند الرسول، وما ذلك إلا إكراما للبضعة المحمدية من البلاء المحيق بأهل الإنكار، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، نسأل الله العفو والعافية في الدارين.
ولا يقال أن التصرف في قيد الحياة ظاهر بخلاف تصرف الولي الميت، لأنا نقول : تصرف الولي قيد حياته إنما كان بصفاء مرآته وغلبة روحانيته على جثمانه، فهو يتصرف بالهمة والحال، لا بإعمال يده وبقية جوارحه في تحصيله على المطلوب. وقد رأيت حضور عرش بلقيس بمحل سليمان من غير استعمال يد في نقله إليه إلا مجرد التوجه، فكان إعدامه وإيجاده بالهمة والدعاء الخاص الذي تم به المطلوب بإذن الله تعالى، وإذا تحقق لديك أن الأمر في هذا الباب إنما هو على صفاء الروح وقوة الهمة والحال ثبت لديك أن الحق مع من يقول : تصرف الولي بعد موته أكثر منه في قيد الحياة، لتجرد الروح وأحقيتها بالتوجه، ولذلك قال ابن باديس في سينيته في ترجمته لبعض الأولياء :
ولا تسمعن من قاصر النفع فيهم = على من يكن حيا فذاك من الطلس
فإن شهود النفع ينفي مقاله = ولا سيما والقوم نصوا على العكس
والمدار الذي تدور عليه دائرة تصرف الأولياء قيد الحياة وبعدها هو دخولهم في كنف الحق الذي نظر إليهم بعين محبته الخصوصية، التي اقتضت أن ينتصر لهم في حضورهم وغيبتهم، حتى أنه جل علاه واعد بمحاربة من عاداهم، وقام مقامهم بما كفاهم به أمرهم في دنياهم وأخراهم، فقد روينا في الصحيح قول الله تعالى في الحديث القدسي : "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشي أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه"(1).
__________
(1) انظر صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم الحديث 6137.