والراد لها بعد الغروب، والحابس لها عن الغروب، هو الله تعالى، وهكذا سائر التصرفات، فالمتصرف في الحقيقة هو الله تعالى. ولكنه سبحانه سوغ نسبة ذلك لعبده ليقوم بأعباء العبودية، وإن كان هو المقيم والقائم على كل نفس بما كسبت، وبمقتضى الكسب الموهوب للعبد عومل بالثواب في الخير وبالعتاب والعقاب في الشر. وهو مذهب أهل السنة خلافا لأصحاب الأهواء الذين من جملتهم الجبرية، وقد قال قائلهم :
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له = إياك إياك أن تبتل بالماء
فإنهم يستدلون على الحق بأنه هو الفاعل الحقيقي، وإنما هم مجبورون على الفعل والترك، وينحو منحاهم في ترك العمل اعتمادا على السابقة المرجئة، وهي طائفة تلاطمت عليها أمواج الضلال في سفينة ظلام الهوى، لعدم اكتراثهم بالذنوب، حتى قال قائلهم :
مت مسلما ومن الذنوب فلا تخف = حاشا المهيمن أن يرى تنكيدا
لو رام أن يصليك نار جهنم = ما كان ألهم قلبك التوحيدا
وقد نطق القلم في هذا المقام في رد هذا المقال فقال :
كن مسلما واحذر ذنوبك دائما = إن الذنوب تلطخ التوحيدا
واحذر من النفس التي بغرورها = تجني عليك وتبتغي التأييد
ثم إن الحق سبحانه بعميم فضله، وكمال عدله، نسب لخلقه أعمالهم ليكونوا متصرفين بمقتضى السابقة فيها، وكل يعمل على شاكلته، وفي ذلك بلاء أحسن لهم، وفيه يقول : "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا"(1). فهو سبحانه الفاعل الحقيقي، ولكن تفضل بنسبة ذلك لعبده. وفي الحكم العطائية : إذا أراد أن يظهر فضله عليك، خلق ونسب إليك. وفي بعض الأحاديث القدسية يقول الحق سبحانه : "أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير والشر وجعلت لكل واحد منهما أهلا، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه، وويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه". فالخالق للخير والشر في الحقيقة هو الله جل علاه كما قال وهو أحكم الحاكمين : "قل كل من عند الله"(2). ولكن مقتضى الأدب أن ينسب العبد الحسن لمولاه والسيء لنفسه، وقد علمنا ذلك بقوله : "ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك"(3). ولا شك أن كل ما أصيب به الشخص فهو على وفق القضاء والقدر بمقتضى قوله عليه السلام : جف القلم بما أنت لاق.
__________
(1) سورة الكهف، الآية 7.
(2) سورة النساء، الآية 78.
(3) سورة النساء، الآية 79.