وهكذا كان مصيبا في اعتقاده المذكور، موافقا فيه لاعتقاد أهل السنة والجماعة(1) ، إلا أنه مخطئ من جهة إسناده الفعل ظاهرا إلى من ليس له على الحقيقة، مع أن المقام لا يصلح لذلك لما فيه من شدة إيهام التأثير لغيره، سيما إن وقع ذلك بحضرة الجهال ومن لا علم عندهم بالعقائد، ووقع من شخص مقتدى به ولو في الجملة، فإنه ربما يوقعهم بكلامه في اعتقاد الكفر من حيث لا يشعر ولا يشعرون. فاجتنب ذلك هداك الله ووفقك، ولا تنسب الأشياء إلا إلى خالقها وبارئها، ولا تسألها إلا منه سبحانه، نعم التوسل إليه سبحانه بأوليائه لا بأس به كما سبق، بل هو مطلوب محبوب، لكونهم أبواب الله تعالى وحجاب حضراته، فلا يخرج منها خير لأحد إلا من جهتهم وعلى أيديهم إلى آخر كلامه(2).
__________
(1) قال العلامة السيد علوي المالكي المكي في كتابه : مفاهيم يجب أن تصحح، عند تطرقه فيه لهذا الموضوع : الواسطة لا بد منها، وهي ليست شركا، وليس كل من اتخذ بينه وبين الله واسطة يعتبر مشركا، وإلا لكان البشر كلهم مشركين بالله، لأن أمورهم جميعا تنبني على الواسطة، فالنبي (- صلى الله عليه وسلم -) الواسطة العظمى للصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد كانوا يفزعون إليه في الشدائد، فيشكون إليه حالهم، ويتوسلون به إلى الله ويطلبون منه الدعاء، فما كان يقول لهم أشركتم وكفرتم، فإنه لا يجوز الشكوى إلي ولا الطلب مني، بل عليكم أن تذهبوا وتدعوا وتسألوا بأنفسكم فإن الله أقرب إليكم مني، لا بل يقف ويسأل، مع أنهم يعلمون كل العلم أن المعطي حقيقة هو الله، وأن المانع والباسط والرزاق هو الله، وأنه (- صلى الله عليه وسلم -) يعطي بإذن الله وفضله، وهو الذي يقول : إنما أنا قاسم والله معطي، وبذلك يظهر أنه يجوز وصف أي بشر عادي بأنه فرج الكربة، وقضى الحاجة، أي كان واسطة فيها.
…ثم قال بعد كلام : ألم يقل النبي (- صلى الله عليه وسلم -) كما جاء في الصحيح (من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا)؟ فالمؤمن مفرج الكربات، ألم يقل (- صلى الله عليه وسلم -) (من قضى لأخيه حاجة كنت واقفا عند ميزانه فإن رجح وإلا شفعت له) ؟ فالمؤمن قاضي للحاجات، ألم يقل في الصحيح (من ستر مسلما) الحديث ؟ ألم يقل (- صلى الله عليه وسلم -) (إن لله عز وجل خلقا يفزع إليهم في الحوائج) ؟ ألم يقل في الصحيح (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) ؟ ألم يقل في الحديث (من أغاث ملهوفا كتب الله له ثلاثا وتسعين حسنة) ؟ رواه أبو يعلى والبزار والبيهقي، فالمؤمن هنا فرج وأعان وأغاث وقضى وستر وفزع إليه، مع أن المفرج والقاضي والستار والمعين حقيقة هو الله عز وجل، لكنه لما كان واسطته في ذلك صحت نسبة الفعل إليه.
(2) انظر سلوة الأنفاس لابن جعفر الكتاني ج ص 52-54.