وهذا كله في حق من توسل للأذنى بالأعلى ليقضي حوائجه، فإن الإيهام واضح، كمن توسل للولي بالله في إعطائه ما يسأله منه، فإن حكمه من هذه الجهة بمحضر الجهال لا يتوقف في منعه أحد، وإلا فحكم طالب الشيء من الولي بل من مطلق الناس في قيد الحياة سائغ، ما لم يكن ذلك بالتوسل إليه بمن هو أعلى منه قدرا، فيقال للأمير مثلا : أداخل عليك بوجه الله وبوجه رسول الله، فإن السؤال بمثل هذا فيه محذور، وهو عند من يعتد بكلامهم محظور.
وقد علمت أنه لا فرق بين طلب الميت وطلب الحي، مع أن الميت له لطيفة روحانية قوية في التصرف بإذن الله في العوالم العلوية والسفلية على حسب مكانته عند الحق تعالى، ولا معنى لمنع تصرف الروح مع شهود المنفعة التامة الحاصلة لمن تعلقت همته بها في استحضارها لقضاء حوائجه، وقد ضربت أعناق علماء المادة المانعين لبقاء الروح بعد موت صاحبها بسوط فن التنويم المغناطيسي، وعلم استحضار الأرواح الذي شاع وذاع في نواحي المعمورة حتى صار من قبيل المحسوس لا يشك فيه عاقل. وليت شعري هل همم مستحضريها أقوى من المعتقد في الأولياء، أو الأرواح الحاضرة أقوى من أرواح الأولياء في تلك التصرفات، وإن كان عندي ملحظ في تلك الروح الحاضرة بقوة همة المنوم من حيثية كونها ليست روح إنسان، وإنما هي نفس جني من المردة الذين دأبهم التضليل، فإنه يحضر عندما تتوجه همة ذلك المنوم الذي اكتسبت همته سيطرة روحانية على عالم الخيال في إظهاره للعيان، وذلك من أنواع السحر التي منها الشعبذة السيماوية، التي يستعان فيها بالأرواح العلوية والسفلية، وعلى كل حال فقد أثبتوا للأرواح تصرفات خارقة للعادات. وقد بسطت القول في هذا المعنى في تويلف سميناه : طرب الحي، بكون الأخذ عن الميت أفضل من الأخذ عن الحي(1).
__________
(1) طرب الحي، بكون الأخذ عن الميت أفضل من الأخذ عن الحي، من أهم مصنفات العلامة سكيرج رضي الله عنه، ألفه في الرد على من زعم أن التربية والسلوك ينحصران في الأخذ عن الشيخ الحي، وكان من جملة القائلين بذلك العلامة الحافظ عبد الحي الكتاني، ومما يتأسف له أن هذا التأليف واحد من عشرة تآليف مهمة ضاعت في حياة مؤلفها العلامة سكيرج، وقد صرح رضي الله عنه بأسماء عناوينها في آخر كتابه : الإغتباط في الجواب عن الأسئلة الواردة من الأغواط، وهو من جملة تصانيفه المنضوية داخل هذا المجموع، انظر ج 1 ص 116.