فتحصل مما بسطناه ثبوت كرامة الأولياء الذين من جملتهم الشيخ رضي الله عنه، وصحة تصرفهم في الكون بإذن الله، وأن نسبة تصرفهم برفع فلان مثلا إلى مقام كذا وإعطائه كذا أو منعه أو نحو ذلك مما ذكر في السؤال لا تمنعه الشريعة، وأن منع ذلك لا يكون إلا بسبب عارض بنحو التوسل للأدنى بالأعلى، وأما التوسل للأعلى بالأسفل كالتوسل لله بالولي فلا بأس به، كما تجوز الإستغاثة بالأولياء ومناداتهم في المآزق والتعلق بهم في تفريج الضيق، وليس في ذلك محظور أو محذور، وكل ما ورد مما يدل على المنع فهو لعارض عرض وقع الحكم لأجله، وربما تتطرق فيه احتمالات بالنظر إليها ليندفع المنع(1) ، كالحديث الذي طلبتم كيفية التوفيق بينه وبين جواز مناداة الشيخ والإستغاثة به من قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : لا يستغاث بي الخ ... وقد رواه الطبراني، وفي سنده رجل متكلم فيه.
__________
(1) قال الأستاذ عبد الغني حمادة في كتابه : فضل الذاكرين والرد على المنكرين : قال المبتدعون لا يجوز سؤال التوسل والإستغاثة والشفاعة من غير الله تعالى لقول النبي (- صلى الله عليه وسلم -) : وإذا سألت فاسأل الله، ثم قال بعد كلام تقدم : فلو صح قولهم بأنه لا يسأل أحد أحدا غير الله تعالى لما جاز أن يسأل جاهل عالما، ولا مريض طبيبا، ولا غريق مغيثا ينقذه من الغرق، ولا يطلب أحد حاجة من إنسان.
…وهذا من المبتدعين كلام باطل لم يقله جاهل، لأن سؤال غير الله ورد في كثير من الآيات القرآنية، وفي الأحاديث الصحيحة، قال تعالى : "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، وقال تعالى : "واسأل القرية التي كنا فيها"، وقال تعالى : "فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك"، وقال تعالى : "فاسأل به خبيرا"، إلى آخر الآيات القرآنية الكثيرة، هذا ولا يفوتنا أن نبي الله سليمان سأل أحد أصحابه أن يأتيه بعرش بلقيس، والقصة مشهورة، وقال تعالى : "واستعينوا بالصبر والصلاة"، وقال تعالى : "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة"، وحكى عن العبد الصالح ذي القرنين قوله : فأعينوني بقوة، وفي مشروعية صلاة الخوف الثابتة بالكتاب والسنة مشروعية استعانة بعض الخلق ببعض، وكذا في أمره تعالى المومنين بأن يأخذوا حذرهم من عدوهم الخ ...
وقال عليه الصلاة والسلام : سلوا أهل الشرف (أي أهل التقى) عن العلم، فإن كان عندهم علم فاكتبوه فإنهم لا يكذبون، وقد سأل كثير من الصحابة الكرام رضي الله عنهم رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) كما جاء ذلك بالأحاديث الصحيحة، سأله أحدهم أن يرد له عينه، وسأله أحدهم أن يذهب العمى من عينيه ويبصر بهما، وسأله أحدهم شفاءه، وسأله أحدهم أن يشفع له، وسأله أحدهم أن يكون رفيقه في الجنة، وسألوه أن يزيل عنهم القحط والجدب، وسألوه نزول المطر، وسألوه انشقاق القمر، وسألوه، وسألوه، وسألوه، وهو كثير جدا في كتب الأحاديث الصحيحة.