اعلم أن ما نقله في الإفادة الأحمدية عن سيدنا الشيخ التجاني قدس سره من هذه المقالة دليل على استغراق الشيخ رضي الله عنه في محبة ساداتنا آل البيت، ولسلطان المحبة استواء على عرش القلوب، بالإغضاء عن كل ما يصدر عن المحبوب من العيوب، بمقتضى قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : حبك الشيء يعمي ويصم(4)، بمعنى أن المحب للشيء لا يرى في محبوبه عيبا، ولا يسمع فيه لوما، وإنما يرى ما يسره في سائر أحواله، تحققا بأن كل ما يفعله الحبيب حبيب، ومن هذا قول القائل :
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد = جاءت محاسنه بألف شفيع
وقلت في إصلاح معناه :
وإذا الحبيب أتى بألف خطيئة = جاءت محاسنه بخير شفيع
لأن الحبيب في عين الرضى دائما محبه :
وعين الرضى عن كل عيب كليلة = ولكن عين السخط تبدي المساويا
وقد كان الشيخ رضي الله عنه في حب هذا الجانب، بما علت به مرتبته لأعلى المراتب، ورأى الناس من إخلاصه في موالاة آل البيت وصدق محبتهم قيد حياته ما بهر المتمسكين بحبل حبهم، فتنافسوا معه في المحبة فلم يدركوا شأوه(1). وقد كان يوصي أصحابه وأحبابه على تعظيم آل البيت والصدق في محبتهم في السر والعلانية بإخلاص نية، ويؤكد على الشرفاء في تعظيم بعضهم بعضا ويقول ما معناه : لا ينبغي للشريف أن يتهاون بحق الشريف، فإن العوام غير مخاطبين وحدهم بولائهم، ومما أنشده الإمام ابن عربي في فتوحاته :
فلا تعدل بأهل البيت خلقا = فآل البيت هم أهل السيادة
فبغضهم من الإنسان خسر = حقيقي وحبهم عبادة
ولا شك أن البضعة المحمدية وهم سادتنا آل البيت، ولو صدرت منهم الذنوب، وتلطخوا بعيوب، ليسوا بمعصومين، فيتنزلون منزل الذهب الإبريز، لا يزال على نفاسته، ورفع قيمته، ولو طرح في المزابل، لأنه في حد ذاته كامل فاضل، وكان رضي الله عنه ينوه بشأنهم في مجالسه بما صار معروفا به بين الناس من شدة محبتهم والتحبب لهم بأنه المحب المخلص مع أحبابه في هذا الجانب، وللمحبة أحكام لا يقاس عليها غيرها عند من عرف ما تقضي به على من شرب خمرتها، ولهذا يتعين على المشفق على نفسه أن يتثبت في هذا المقام، وأن لا يحجبه عن صدق محبة آل البيت ما يقع منهم من ذنوب وآثام، وقد حفظت هذه الأبيات في المنام بعد قضية وقعت لنا مع بعض الأعلام وهي :
خذ سنة الله بين خلقه أبدا = ولتجعلنها لديك خير قسطاس
ما عظم المرء آل البيت دون مرا = إلا وعظم عند الله والناس
فالحظ بعين كمال الفضل قدرهم = واخضع لهم دائما بالقلب والراس(2)
__________
(1) ذكر العلامة الفقيه سيدي محمد الحجوجي رحمه الله، في كتابه : إتحاف أهل المراتب العرفانية، ما نصه : وما بلغنا عن أحد من أهل وقته أنه كان يعظم أهل البيت كهو رضي الله عنه (يعني الشيخ أبا العباس التجاني) وكان لا يهدي لهم إلا الذهب، وما ثبت لدينا أنه أعطى لشريف فضة، وكان رضي الله عنه يقول فيهم : أهل بيت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أبحت لهم عرضي. ومن عادته معهم أنه كان لا يترك أحدا من الأشراف يقبل يده، ولا يمد رجله بحضرة شريف أبدا، وإن دخل شريف وهو ماد رجليه جمعهما ولو كان نائما.
(2) ذكر العلامة سكيرج في كتابه : نسمات الأسحار في نظم الأشعار ص 108 : رأيت في رؤيا كأني أطالع في كناش بعض أشياخنا قصيدة في مدح سيدنا العباس عم النبي (- صلى الله عليه وسلم -)، وهي مرسومة بالمداد، وفي آخرها ثلاثة أبيات مشتملة على التنويه التام بفضل ساداتنا آل البيت عليهم السلام، وهي مكتوبة باللون الأحمر، فصرت أكررها، فاستيقظت مستحضرا لما اشتملت عليه من المعاني، فدعاني داعي المحبة في هذا الجناب العالي إلى استعمال قصيدة على نحو ما رأيته، وأختمها بالأبيات الثلاثة تصديقا للرؤيا، وعلى الله قصد السبيل، وهي هذه :
قلبي لعهد حبيبي لا يرى ناسي = لم لا ولي ذكره الأنيس في ناسي
شغلي التذكر في بديع صورته = وفي محاسنه استغرقت أنفاسي
…إلخ ... القصيدة، وهي من بحر البسيط، في 36 بيتا، وقد ختمتها بالأبيات الثلاثة المذكورة، إهـ... كما بعث رحمه الله إلى أكثر من مائة عالم وأديب بالمغرب والمشرق طالبا منهم تخميس الأبيات المنامية الثلاثة، فاستجاب معظمهم لذلك، فلما توصل رحمه الله بهذه التخاميس فرح بها غاية، وأفردها بتأليف سماه : شرب المدام، بتخميس أبيات رأيتها في المنام، ثم أفردها بتأليف آخر ترجم فيه للعلماء ممن خمس تلك الأبيات، وسماه : تحفة الأنام، بتراجم من خمس أبياتا حفظتها في المنام.