وليحذر المكلف كيف ما كان شريفا أو غير شريف من إطلاق لسانه في كل من ادعى هذا النسب أو النسبة لأهل الله. ولو تحقق كذبه في ظاهر الحال(1)، وإنما يطعن فيه من حيثية الطعن الشرعي، فيقول مثلا نسب هذا السيد لم يثبت إذا ثبت لدا هذا الطاعن عدم صحة نسب المطعون فيه بمواجب شرعية، وقد كان الإمام مالك رضي الله عنه يقول : من ادعى الشرف كاذبا يضرب ضربا وجيعا ثم يشهر ويحبس طويلا حتى تظهر لنا توبته، لأن ذلك استخفاف منه بحقه (- صلى الله عليه وسلم -)، ومع ذلك كان يعظم من طعن في نسبه ويقول : لعله شريف في نفس الأمر.
وقد تنافس الناس في محبة هذا الجانب، ولكل واحد منهم على قدر ما هو من محبتهم شارب، ورضي الله عن الإمام الشافعي الذي يقول :
لو شق قلبي لبدا وسطه = سطران قد خطا بلا كاتب
الشرع والتوحيد في جانب = وحب آل البيت في جانب
وصرح رضي الله عنه بمذهبه في محبتهم الصادقة فقال :
يا راكبا قف بالمحصب من منى = واهتف بقاعد خيفها والناهض
إن كان رفضا حب آل محمد = فليشهد الثقلان أني رافضي
وإذا تقرر هذا لديك عرفت المقصود من كلام سيدنا رضي الله عنه وأنه جرى في هذه المقالة مجرى العاشقين لهذا الجناب الخليق بكل احترام، فنبه بذلك أحبابه ليقدروا قدر آل البيت على أي حال كانوا عليها، وأن العيوب البشرية لا تزري بمقامهم عند خالقهم، وإن كانت الأحكام الشرعية تجري عليهم فيما يصدر منهم لكونهم غير معصومين، ولم يرفع عنهم التكليف الشرعي بين الخلق في هذه الحياة الدنيا ودار القرار، ولكن الفضل بيد الله الذي أراد تطهيرهم من الرجس، فيحمل ما ورد في حديث : الجنة لمن أطاعني ولو كان عبدا حبشيا، والنار لمن عصاني ولو كان شريفا قرشيا على فرض صحته محمل التخويف من الوقوع في العصيان، مع كون ذلك من الوعيد الذي إخلافه في جانب الكريم مما يمتدح به كما قال العربي :
وإني إذا أوعدته أو وعدته = لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
__________
(1) ذكر العلامة سيدي محمد الحجوجي، في كتابه إتحاف أهل المراتب العرفانية، ج 1، في ترجمة العارف بالله سيدي المفضل بن بوعزة المكناسي، قال : ذكر الولي الصالح سيدي محمد العربي بن السائح رضي الله عنه أن سيدي المفضل بن بوعزة المكناسي سمع رجلا يسب شريفا، فقيل له : إنه شريف وتسبه ؟ فقال : وإن كان، فحلف أن لا يقيم ببلد يسب فيها الشريف، وارتحل لتطوان وبها توفي.