متع لحاظك في محاسن معهد = يسبي(1) العقول بحسنه المتعدد
هو معهد لكنه في زينة = وفخامة في غيره لم تعهد
هو بهجة للناظرين وروضة = تحي القلوب بروحها المتورد
هو مشهد للواردين وملجأ = للزائرين وجنة للعبد
يسلي(2) غريب الدار عن أوطانه = وإليه يطلب عودة إن يبعد
أكرم به من مسجد بهر النهى = لم لا وفيه هداية المسترشد
فيه تقام عبادة الرحمان في = إتقانها لجماعة ولمفرد
قد شيدت أركانه بالجد في = أبهى مكان للفتى المتعبد
يا حسنه من معهد مستجمع = للحسن حتى صار أحسن معبد
قد صار في إتقانه متكفلا = بجميع ما يحتاج كل القصد
جمع المحاسن في بدائع صنعة = وجميل تنظيم وطرز جيد
قد أودع الصناع فيه عجائبا = شكرت لأيديهم بها كم من يد
فكأنما الشمس استعارت حسنها = وضيائها من حسنه المتوقد
وكأنه أهدى لها أنواره = وكسته(3) بهجة نورها المتفرد
وكأنما بدر التمام قد اكتسى = من حسن طلعته كمال تورد
فأعاره بسعوده وصعوده = منه البهاء حقيقة في المصعد
رقم الجمال خطوطه في أوجه = منه بشكل في علاه مجدد
وعليه قد نشر(4) القبول لواءه = فبدا بأوجهه سناء المشهد
وأناخ(5) في أكنافه الأنس الذي = طابت به أنفاس كل موحد
في كل وقت حسنه متزايد = في رونق وكمال سعد مسعد
وتوفرت فيه خصائص جمة(6) = مشهودة في حسنها لم تجحد(7)
كملت(8) محاسنه التي في طيها(9) = جمعت مزايا في السوى لم تشهد
قد خصصته يد العناية دائما = بذوي الهداية للمحج الأقصد
واختص من أولي الديانة في الورى = بالمسلمين برغم أنف الحسد
فيه يأدون الصلاة لربهم = فرضا ونفلا في أتم تعبد
وجميعهم يقضون فيه مرامهم = وفق الذي يقضيه شرع محمد
ما فيه شيء حائد(10) عن نهجه = بل فيه أعظم أسوة للمقتدي
والله عظمه فكان معظما = عند الموحد والمحق المهتدي
فادخل إلى بيت الصلاة وأدها = فيه بحالة خاشع مسترفد
وإذا جلست به فكن ممن صفوا = قلبا وقم فيه بحسن تهجد
وادع الإله بما تحب فإنه = سبحانه يجدي الغنا للمجتدي
واسأله ما ترجوا تنله فإنه = رب الإجابة فضله لم ينفد
ولتدع للقوم الذين به اعتنوا = إذا شيدوه على الأساس الأيد
من أيدتهم في الوجود عناية = حتى أشادوه بحسن تعهد
نهضوا بأحسن نهضة جمعتهم = حتى اهتدوا لطري فتح الموصد(11)
سلكوا سبيل الرفق حتى ألفوا = بين القلوب فسوعدوا بالمقصد
فليفخر الإسلام حيث يرى له = شرف تصاعد في مطالع أسعد
ولتبتهج نفس الموحد إذ بدا = في أرض باريز مبرز مسجد
وليفرح المتدينون بدينه = فالدين دين الحق بان لمن هدي
ولأهله في أرض باريز غدت = تجلى(12) شعائره بأرفع مقعد
فيكون فيه لهم أجل تعارف = وتمام عز بالدوام مخلد
ويكون فيه لهم مزيد تواصل = ويكون فيه لهم أكيد تودد
وتزول عنهم وحشة(13) من غربة = بعظيم أنسهم بهذا المسجد
وتراهم فيه على بسط الهنا = وكمال أفراح وعيش أرغد(14)
فليحمدوا الله الذي أولاهم = أسنى الأماني في أمان منجد
ولهم بباريز لدا أولي النهى = وصف اعتبار بالقبول مؤيد
ولهم جميل الصنع فيما أظهروا = لهم من الإسعاد والخلق الندي
فعلى ذوي الإسلام أن يستكثروا = من ألفة أبوابها لم تسدد
ليبرهنوا عن صون دينهم الذي = هو في طريق الهدي أحلى مورد
وليقتدوا بنبيهم فنبيهم = يدعو لنهج الحق غير مشدد
فالمسلمون لهم كمال سعادة = فلتقتفوا(15) في السير سيرة أحمد
فهم به قد أسعدوا بمناهم = فليعرفوا حق الكريم المسعد
وليرضعوا ثدي المعارف بينهم = في معهد هو للفلاح ممهد(16)
وليشكروا المولى على إنعامه = ولهم به نيل الهناء السرمدي
فقد ازدهت أرجاء مسجدهم وقد = كملت به أدواته للوفد(17)
وليشهد الزوار إن حلوا به = أنواع أضواء به لم تخمد
فلقد تنور أفقه بالكهربا = فحكى تشابك فرقد في فرقد(18)
ولسان حاله صار ينشد مرحبا = بالوفد من مستبشر مستوفد
هذي جنان فتحت أبوابها = فلتدخلوها ظافرين بسودد(19)
ولتنظروا من حوله ما زاده = حسنا بديعا في السوى لم يوجد
لله در مؤسسيه فإنهم = ما قصروا في صنعه المتفرد
ما كان يرجى مثله في موطن = ودليل ما قد قلته للمنشد
من لي بأرض مثل باريز يرى = فيها مشيدا مثل هذا المسجد
طلب المحال من ابتغى مثليهما = لم لا وقد خصا(20) بما لم يجحد
وقد انتهت بهما المحاسن فانتهى = وصفي بشمس أرخت للمهتدي
وعلى الرسول تحية لا تنتهي = وعلى ذويه ومن بكل يقتدي
ما قال من وافى لهذا المسجد = متع لحاظك(21) في محاسن معهد
__________
(1) يسبي : يأسر
(2) يسلي : ينسي
(3) كسته : ألبسته
(4) نشر : بسط
(5) أناخ : أقام
(6) جمة : كثيرة
(7) تجحد : تنكر وتكذب
(8) كملت : تمت
(9) طيها : ضمنها
(10) حائد : مائل
(11) الموصد : المغلوق والمسدود
(12) تجلى : تظهر
(13) وحشة : ضد الاستئناس
(14) أرغد : بمعنى طاب واتسع
(15) فلتقتفوا : فلتقتدوا
(16) ممهد : موطأ ومبسط
(17) للوفد : للآتين والقادمين إليه
(18) فرقد : نجم قريب من القطب الشمالي يهتدى به وبجانبه آخر أخفى منه فهما فرقدان
(19) السودد : القدر الرفيع
(20) خصا : بالتثنية بمعنى فضلا
(21) اللحاظ : مؤخر العين مما يلي الصدغ.